بولاق عروس قرى الوادى الجديد عمرها آلاف السنين.. قرية العلماء ومنارة التعليم وأثرها فى كل بيت.. زارها أمير الشعراء لحضور افتتاح أول مدرسة للتعليم الابتدائى الإلزامى 1923.. وفازت بجائزة التميز الحكومى.. صور

الجمعة، 09 أكتوبر 2026 04:00 ص
بولاق عروس قرى الوادى الجديد عمرها آلاف السنين.. قرية العلماء ومنارة التعليم وأثرها فى كل بيت.. زارها أمير الشعراء لحضور افتتاح أول مدرسة للتعليم الابتدائى الإلزامى 1923.. وفازت بجائزة التميز الحكومى.. صور عين عقرب قرية بولاق

ماهر أبو نور

هى القرية التى بدأت رحلتها وسط الصحراء بين الرمال والعيون القديمة، واختارت أن تكتب اسمها بالحرف والقلم، لتظل بحق قرية العلم والثقافة، وواحدة من أهم القرى التي أسهمت في تشكيل الهوية الحضارية والإنسانية لمحافظة الوادي الجديد، استنادا إلى إرث طويل من العمل والاجتهاد، وتسعى إلى استثمار ما تمتلكه من مقومات بشرية وطبيعية في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا، لتظل قرية بولاق واحدة من الصفحات المضيئة في سجل الواحات المصرية، كأقدم وأشهر قرى مركز الخارجة بمحافظة الوادي الجديد، والتى تقع على بعد نحو 30 كيلومترًا جنوبا، ويحدها عدد من القرى الزراعية، بينما تمتد غربها الكثبان الرملية وتنتشر شرقها الأراضي الزراعية وآبار المياه الجوفية التي اعتمد عليها الأهالي منذ قديم الزمن، وعُرفت في بعض الروايات القديمة باسم "بالا" خلال العصور الفرعونية، ثم تحور في فترات لاحقة إلى الاسم اليونانى (بوليك) ويعنى البحيرة المقدسة نسبة الى بحيرة كانت موجودة قديما قبل أن يستقر الاسم على "بولاق" المعروف حاليًا، ورغم عدم وجود نص أثري حاسم يؤكد هذه الرواية، فإنها تظل من أكثر التفسيرات تداولًا بين أبناء القرية والمهتمين بتاريخ الواحات، ويعتبر موقع القرية حلقة وصل بين قرى جنوب مركز الخارجة، كما ساعد على ازدهار النشاط الزراعي، خاصة زراعة النخيل والحبوب والمحاصيل التقليدية التي اشتهرت بها الواحات، واستطاع أهلها تحويل البيئة الصحراوية إلى مجتمع مستقر يقوم على التعاون والعمل الجماعي، وهو ما انعكس على طبيعة الحياة الاجتماعية داخل القرية حتى اليوم.

 

- بولاق قرية تعشق العلم وتقدس التعليم

ولم ترتبط شهرة بولاق بوفرة النخيل أو اتساع الأراضي الزراعية فقط، بل ارتبطت قبل ذلك بعقول أبنائها الذين انتشروا معلمين وقضاة وأساتذة جامعات وأطباء ومهندسين في مختلف محافظات مصر، حتى أصبح من الصعب أن تجد مدرسة قديمة في الوادي الجديد لم يعمل بها معلم من أبناء بولاق، وهو ما منح القرية مكانة اجتماعية وثقافية خاصة داخل المجتمع الواحاتي، ويظل اسم قرية بولاق حاضرًا في ذاكرة الواحات لعقود طويلة باعتبارها "قرية العلماء" و"منارة التعليم"، وهي ألقاب لم تأت من فراغ، وإنما صنعتها أجيال آمنت بأن العلم هو الطريق الوحيد لبناء الإنسان قبل العمران.

 

ومنذ بدايات القرن العشرين، أدرك أهالي القرية أن الاستثمار الحقيقي ليس في الأرض فقط، بل في الإنسان، لذلك حرصوا على إرسال أبنائهم إلى الأزهر الشريف والمدارس النظامية، في وقت كانت فيه الأمية منتشرة في كثير من المناطق الريفية، وتحول التعليم مع مرور الوقت إلى قيمة اجتماعية راسخة داخل القرية؛ فالأسرة كانت تفتخر بابنها المعلم أو الأزهري أكثر من أي شيء آخر، وأصبح الحصول على الشهادة العلمية هدفًا مشتركًا لمعظم الأسر، وهو ما صنع أجيالًا متعاقبة من المتعلمين الذين انتشروا في أنحاء المحافظة وخارجها، حتى إن أبناء الوادي الجديد يرددون مقولة شهيرة مفادها أن معظم من تعلموا في مدارس المحافظة خلال العقود الماضية كان لهم معلم من أبناء بولاق، في إشارة إلى الدور الكبير الذي لعبته القرية في بناء المنظومة التعليمية بالمحافظة.

 

- شهادة أمير الشعراء لبولاق حافز توارثته الأجيال لحفظ مكانتها

لم تكن السمعة العلمية التي اكتسبتها بولاق وليدة العقود الأخيرة، بل تعود إلى بدايات القرن العشرين، حين أصبحت مقصدًا لعدد من كبار المفكرين والكتاب الذين زاروا الواحات، ومن أبرز تلك الزيارات، زيارة أمير الشعراء أحمد شوقي عام 1923 خلال رحلته الشهيرة إلى واحات الصحراء الغربية، وهي الرحلة التي دوّن خلالها انطباعاته عن طبيعة الواحات وسكانها، وتوقف شوقي في قرية بولاق، ولاحظ اهتمام أهلها بالعلم والتعليم مقارنة بغيرها من القرى، وهو ما جعل اسم القرية يتردد في الكتابات التي تناولت رحلته إلى الوادي الجديد، ولا تزال هذه الزيارة تمثل محطة مضيئة في ذاكرة أبناء القرية، باعتبارها شهادة مبكرة على مكانة بولاق الثقافية، في وقت كانت فيه وسائل التعليم والإمكانات محدودة للغاية، وتتلخص الزيارة فى أنه عام 1923 شهدت قرية بولاق افتتاح أول مدرسة للتعليم الابتدائي الإلزامي بالقرية، وحضر الافتتاح أحمد بك شوقي ممثلًا لوزارة المعارف العمومية آنذاك، وليس بصفته شاعرًا فقط، وخلال الزيارة أشاد شوقي بأهالي بولاق واهتمامهم بالتعليم، وكانت هذه الزيارة بداية شهرة القرية باعتبارها "قرية العلم"، بعد سنوات، وتحديدًا عام 1934، تم تكريم عشرة من أبناء بولاق الذين أُرسلوا للدراسة بالأزهر الشريف، بحضور محافظ الجنوب آنذاك، وهو ما يعكس أن الزيارة كانت جزءًا من مشروع تعليمي حقيقي وليس زيارة بروتوكولية، وتستند تلك المعلومات المتداولة إلى شهادات تاريخية لأهالي القرية.

 

- تنوع سكاني صنع مجتمعًا متماسكًا

من السمات التي ميزت بولاق عبر تاريخها أنها لم تكن قرية مغلقة على عائلة واحدة أو أصل واحد، بل استقبلت على مدار سنوات طويلة عائلات جاءت من مناطق مختلفة واستقرت بها، فاندمجت جميعها في نسيج اجتماعي واحد، ويؤكد الباحثون في تاريخ الواحات أن سكان بولاق ينتمون إلى أصول متنوعة، فمنهم عائلات تعود جذورها إلى الواحات نفسها، وأخرى جاءت من صعيد مصر، بينما استقرت بها عائلات ذات أصول مغاربية وعربية قدمت عبر طرق التجارة القديمة، وهو ما منح القرية ثراءً اجتماعيًا وثقافيًا انعكس على عاداتها ولهجتها وتقاليدها، ورغم هذا التنوع، حافظ المجتمع البولاقي على تماسكه، وظلت علاقات المصاهرة والتعاون بين العائلات سمة بارزة، كما حافظت المجالس العرفية على دورها في حل الخلافات وترسيخ قيم التسامح والتكافل، واحتفظت بولاق، مثل غيرها من قرى الخارجة، بلهجة محلية لها خصوصيتها، تجمع بين العربية الفصحى في كثير من مفرداتها وبعض الكلمات الواحاتية القديمة التي توارثها السكان عبر الأجيال، ولا تزال بعض المفردات التراثية تستخدم حتى اليوم في الحياة اليومية، خاصة بين كبار السن، كما أن أسلوب الحديث يتسم بالهدوء والوقار، وهي صفات ارتبطت بطبيعة المجتمع الواحاتي الذي يقوم على الترابط الأسري واحترام الكبير، وتعد هذه اللهجة جزءًا من التراث غير المادي للقرية، إذ تعكس تاريخًا طويلًا من التفاعل بين سكان الواحات والقبائل العربية والقوافل التجارية التي مرت بالمنطقة عبر القرون.

 

- الكرم والتكافل ملامح شخصية أهل بولاق

ويصف كل من زار بولاق أهلها بأنهم أصحاب كرم فطري، فالضيف يحظى بمكانة خاصة، ولا تزال عادات استقبال الزائرين بالقهوة والتمر ومنتجات النخيل حاضرة في معظم البيوت، كما اشتهرت القرية بروح التعاون بين سكانها، خاصة خلال مواسم الزراعة والحصاد وبناء المنازل، حيث كان الأهالي يتكاتفون لإنجاز الأعمال دون انتظار مقابل، وهي عادة توارثتها الأجيال وأسهمت في ترسيخ روح الانتماء للمكان، وفي المناسبات الاجتماعية، سواء الأفراح أو المآتم، تظهر هذه الروح بوضوح، إذ يشارك الجميع في التنظيم وتقديم الدعم للأسر، وهو ما يعكس طبيعة المجتمع الواحاتي الذي يقوم على الترابط والتكافل، كما لا تزال الصناعات المنزلية التقليدية حاضرة، ومنها صناعة الحبال والسلال والأقفاص وبعض الأدوات من جريد وسعف النخيل، إلى جانب إعداد المنتجات الغذائية التراثية مثل التمور المجففة وعجوة البلح ودبس البلح، التي تمثل جزءًا من المائدة الواحاتية، وفي المناسبات الاجتماعية، يحتفظ الأهالي بعاداتهم القديمة، حيث تتصدر المجالس الشعبية مشهد الاحتفالات، وتُقدم الأطعمة التقليدية، وتُردد الأشعار والأهازيج التي تعكس الهوية الثقافية لسكان الواحات.

 

- الزراعة شريان الحياة في بولاق

ورغم شهرتها بالتعليم، بقيت الزراعة النشاط الاقتصادي الرئيسي لأهالي بولاق. فقد اعتمد السكان منذ القدم على العيون الطبيعية ثم الآبار الجوفية في ري الأراضي، ونجحوا في استصلاح مساحات واسعة حول القرية، وتنتشر مزارع النخيل التي تنتج أصنافًا متعددة من التمور، إلى جانب زراعة القمح والشعير والبرسيم والخضراوات، كما شهدت السنوات الأخيرة التوسع في زراعة المحاصيل الاقتصادية والنباتات الطبية والعطرية، مستفيدة من مشروعات التنمية الزراعية التي تشهدها محافظة الوادي الجديد، ويمثل النخيل جزءًا أصيلًا من حياة أهالي بولاق، ليس فقط كمصدر للدخل، بل أيضًا كعنصر أساسي في التراث، حيث تُستخدم جريد النخيل وسعفه في صناعة العديد من المنتجات اليدوية التقليدية، ومن أبرز المواقع المرتبطة بقرية بولاق وادي الدوم، الذي يعد أحد أشهر المناطق الطبيعية في الوادي الجديد، ويضم أعدادًا كبيرة من أشجار الدوم المعمرة التي تنمو بصورة طبيعية وسط البيئة الصحراوية، ويتميز الوادي بقيمته البيئية والتراثية، إذ ارتبط في الذاكرة الشعبية بحياة أهل الواحات، وكانت ثمار الدوم تمثل غذاءً مهمًا، كما استخدمت جذوع الأشجار وأوراقها في الصناعات التقليدية، بينما أصبح الوادي اليوم مقصدًا للباحثين ومحبي الطبيعة والتصوير الصحراوي.

 

- عيون عقرب وبدرينا تروى تاريخ الواحة الخضراء

وانتشرت العيون الطبيعية التي أسهمت في انتعاش الحياة بقرية بولاق، ومن أشهرها «عين عقرب» و«عين بدرينا»، اللتان كانتا تمثلان شريانين رئيسيين للحياة، وتعكسان صورة واضحة لقدرة الإنسان على التكيف مع البيئة الصحراوية واستثمار مواردها، حيث تُعد «عين عقرب» من أقدم العيون التاريخية في بولاق، وكانت مياهها تتدفق ذاتيًا من باطن الأرض دون الحاجة إلى السواقي أو وسائل الرفع، ثم تُوزع وفق نظام دقيق قائم على الأعراف الواحية التي نظمت حقوق الانتفاع بالمياه بين أصحاب الأراضي، وهو نظام يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الاجتماعي والإدارة الرشيدة للموارد الطبيعية، أما «عين بدرينا»، فقد كانت تؤدي الدور نفسه، إذ كانت مياهها تتدفق طبيعيًا لتروي الأراضي الزراعية وتغذي بساتين النخيل، وأسهمت على مدى عقود طويلة في دعم النشاط الزراعي واستقرار السكان، قبل أن تتعرض هي الأخرى للطمر والاندثار مع تغير أنظمة الري، وحفر الآبار العميقة، وانخفاض الاعتماد على العيون الطبيعية.

 

- جائزة التميز الحكومى تتويج لجهود مجتمعية وتنفيذية

وفازت القرية بجائزة التميز الحكومى على مستوى الجمهورية، حيث شاركت القرية بملف يضم عدد من الخدمات المتكاملة والمتميزة بالقرية فى مايو 2021، شملت الخدمات المختلفة بالقرية بالإضافة الى محاور الإبتكار المتعددة التى قامت بها الوحدة المحلية القروية وكذلك الرؤية المستقبلية نحو تحقيق التنمية الشاملة المستدامة "رؤية مصر 2030"، وشمل ملف القرية محاور ابتكار جديدة ومشاركة بأفكار متعددة لتحقيق التنمية الشاملة المستدامة شملت المدارس النموذجية ومستوى تعليم الطلاب والكثافة العددية فى الفصول بمتوسط 25 طالبا من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية، وكذلك المستشفى المطورة وتوافر الأطباء واطقم الممرضين وإنشاء معمل تحاليل وتقديم خدمات طبية غير مسبوقة للأهالى، بجانب مركز الشباب المطور وممشى سياحى ومرسى واحاتى ترفيهى، وأيضا والوحدة المحلية القروية التى تعمل بنظام إلكترونى يسير على المواطنين تجاه الخدمات المختلفة فى أقل وقت ممكن سواء سداد رسوم أو استخراج تراخيص وهى رؤية القرية للقضاء على الروتين بهدف تعميم التجربة الإلكترونية على جميع القرى.

 

- منظومة تطوير متنامية بدعم محافظ الوادي الجديد

وشهدت بولاق خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا ضمن خطة الدولة لتنمية محافظة الوادي الجديد، حيث جرى تنفيذ مشروعات لتطوير الطرق الداخلية، ومد شبكات مياه الشرب والصرف الصحي، ودعم المدارس والوحدات الصحية، إلى جانب التوسع في استصلاح الأراضي الزراعية وإنشاء آبار جديدة تعتمد على المياه الجوفية، كما استفادت القرية من المبادرات الرئاسية الهادفة إلى تحسين مستوى الخدمات في الريف المصري، ومن برامج محافظة الوادي الجديد التي تستهدف رفع كفاءة البنية الأساسية، وتشجيع الاستثمار الزراعي، وتعظيم الاستفادة من الثروة الزراعية التي تتميز بها المنطقة، وذلك بدعم الدكتورة حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، من أجل تحسين جودة الحياة، ودعم الإنتاج الزراعي، وتطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، بما ينسجم مع أهداف رؤية مصر 2030 في تنمية المجتمعات الصحراوية.

ابداعات الرسم على جدران مدارس قرية بولاق
إبداعات الرسم على جدران مدارس قرية بولاق

 

استكمال منظومة التنمية الشاملة بقرية بولاق
استكمال منظومة التنمية الشاملة بقرية بولاق

 

أشجار الدوم فى قرية بولاق
أشجار الدوم فى قرية بولاق

 

اطفال القرية موهوبين بالفطرة
أطفال القرية موهوبين بالفطرة

 

المرسى السياحى بقرية بولاق
المرسى السياحى بقرية بولاق

 

بولاق الوادي الجديد قرية العلم والعلماء
بولاق الوادي الجديد قرية العلم والعلماء

 

حرفة السجاد بقرية بولاق
حرفة السجاد بقرية بولاق

 

شعار قرية بولاق دعم العلم والتعليم
شعار قرية بولاق دعم العلم والتعليم

 

عين بدرينا بقرية بولاق
عين بدرينا بقرية بولاق

 

عين عقرب قرية بولاق
عين عقرب قرية بولاق

 

قرية بولاق فازت بجائزة التميز الحكومى
قرية بولاق فازت بجائزة التميز الحكومى

 

مجمع الخدمات النموذجي بالقرية
مجمع الخدمات النموذجي بالقرية

 

مرسي قرية بولاق ليلا
مرسي قرية بولاق ليلا

 

ممشي قرية بولاق
ممشي قرية بولاق

 

من احدى احتفالات قرية بولاق
من إحدى احتفالات قرية بولاق

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة