كان المبدأ السائد فى أوساط الإخراج الاحترافى أن عملك كمساعد ثانٍ، ثم مساعد أول إخراج، ضرورة حتمية قبل أن تتولى مسئولية إخراج فيلم روائى طويل أول.. وربما أيضًا عمل فيلم تسجيلى أو روائى قصير، تختبر فيه مهاراتك من الناحية الحرفية وقدرتك على إدارة فريق عمل الفيلم.. وهذا تقريبًا هو ما حدث مع كل من عرفتهم من المخرجين الذين سبقوا جيلنا، مثل خيرى بشارة، وداود عبد السيد، وعاطف الطيب، وخان، وعلى بدرخان/ إلخ.. لكن المدهش أن كثيرين من مخرجى هذه الأيام يقتحمون عالم الإخراج دون خوض هذه التجربة المهمة، إما تعاليًا أو حتى ازدراءً للمهنة، وفى الغالب تعجلا على الانغماس فى جو الشهرة والمشاهير!
وقد تصادف أنى سمعت بأذنى أحد المخرجين الذين أعقبوا جيلنا، فى حديث إذاعى، لا يُتبرأ فقط من (فضيحة) عدم عمله كمساعد، ولكنه يُقلل بجرأة وجهل شديد من أهمية (التكنيك) الخاص بوظيفة المخرج، لدرجة أنى استغرقت فى الضحك عندما قال إنه يرفض أن يكون الإخراج مجرد تفاصيل التكنيك، وأن الإخراج (فكر)، وطبعًا أشار إلى رأسه، وأن تفاصيل التكنيك، وكيف توضع الكاميرا والعدسات والإضاءة والمونتاج، هي تفاصيل لا تهمه، وأنها وظيفة مساعد المخرج حتى يركز هو طبعا على (الفكر). وطبعًا هذا فى رأيه يجب أن ينطبق على الجميع، فالرسام يمكن أن يشرح (فكره) على شخص يستطيع تجسيد اللوحة على الورق، وكذلك الموسيقى والنحات وراقص الباليه!
ومن الطرائف أيضًا أنه يحدثنى كثيرون جدًا ويطلبون العمل معى كممثلين وممثلات، وبعضهم يقول: إن شا الله مساعد مخرج حتى!! وطبعًا يصدمون عندما أشرح لهم غاضبًا، أن وظيفة مساعد المخرج تكون أحيانًا أهم من المخرج نفسه من وجهة نظر الصناعة.. وربما أيضًا لا ينتبه الجمهور العادى إلى أهمية وظيفة المساعد الثانى أو الإسكربيت أو ملاحظ السيناريو، التى عادة ماكانت تتولاه زميلة، (وهو شىء توارثته السينما المصرية من تراث السينما العالمية عندما كانت تسمى Script Girl..) وهى تتولى مسئولية عظيمة فى عملية تركيب الفيلم وصلاحيته للعرض، بما يحتاج استعراض دورها إلى كتاب كامل، ولكننا نشير هنا فقط إلى مسألة "الراكور"، وهو باختصار المحافظة على حسن تتابع المشاهد طبقًا لورودها فى السيناريو، وليس فى جدول التصوير.
فمشهد 3 يعقبه مشهد 4 فى السيناريو، ولكن ظروف التصوير والموقع والممثل والأحداث.. إلخ، قد تجعلنا نصور مشهد 4 قبل 3 وبعد 6 وهكذا. فإذا لم تكن الملابس والإكسسوارات متطابقة من المشاهد المتتابعة، فإن المشاهد يلحظ ذلك بسهولة، ويخرج بالتالى من (جو الفيلم)، مندفعا إلى السخرية منه، مهما كانت جودته.
فالممثل الخارج من الغرفة إلى الشارع أو إلى غرفة مجاورة، لا يمكنه أن يبدل كل ملابسه ثم يعود إلى ارتدائها عندما يعود! كما أن هناك راكور النظرة، فإذا كان شخص يحدث آخر على يمينه فى الكادر السينمائى، لا بد أن ينظر إلى يمين الكادر عندما تُصور لقطة قريبة لا يظهر فيها هذا الشخص، وهكذا.. وهناك عشرات الراكورات الأخرى، مثل راكور الإكسسوار وتصفيفة الشعر والمكياج والديكور، وتخيلوا أن شخصًا واحدا كان يتولى كل هذه المسئولية التى كان الخطأ فى أى منها كفيل بكارثة فنية لا تغتفر، وقد يكون من نتائجها إعادة تصوير مشاهد بكل ما يعنيه ذلك من جهد وتكلفة مادية ووقت ثمين.
الآن هناك مونيتور نستطيع استعراضه لرؤية الراكور فى أى لحظة، كما أن وظيفة الإسكربيت قد تم تفكيكها إلى 3 و4 أشخاص، كل منهم يركز على راكور واحد.. رغم وجود التكنولوجيا بجانبه.
أما أيامنا فقد كانت الكارثة لا يتم اكتشافها إلا بعد تحميض الفيلم الخام وطبع نسخه للعرض، وحتى بعد المونتاج المبدئى.. حينها يتوقف الأمر على مدى (تساهل) المخرج والمونتج والمونتير، مع الأخطاء الصغيرة ومحاولة إصلاحها (مونتاجيا) أو تجاهلها وتركها للأجيال القادمة لتسخر منها ما شاءت لها السخرية!
رحم الله كل من عملوا وأخلصوا لمهنة ملاحظ السيناريو، لتى نستمر حتى الآن فى هضم حقهم ودورهم العظيم فى جودة العمل وإتقانه.