إلّا الحماقة أعيَتْ مَنْ يداويها، يقول المُتنبّى، ولا يتوقّف الأُصوليّون عن تأكيد حكمَتِه. ولا دليلَ أكبر على المأساة من أنّ صُنّاعها لا يرونها أصلاً، يتعامون ويصمّون الآذان، ويُزيّفون خُطَب النصر ومواكب الاحتفالات على ساحل الدم، وفوق مسرحٍ من الطَّلَل والجثامين.
الشيخ نعيم قاسم نموذج مثالىّ للفحص النفسى. تمرُّ اليوم ثلاثُ سنواتٍ على انخراط حزب الله فى «طوفان السنوار». أُزِيحَ اثنان فى سلسلة القيادة، وكامل الصفّ الأوّل وما بعده، وصعد الرجلُ لموقع الأمين العام، بالهبوط لخندقٍ عميق لا يجرؤ على مغادرته!
أُطلِقَت حربُ الإسناد مُتأخّرةً يومًا؛ حتى صدر الأمر من طهران إلى «نصر الله» فى ضاحية بيروت الجنوبية. دُفِعَ محورُ المُمانَعة إلى رقصة النار حرجًا، وبلا عَزمٍ أو استعداد. وربما كان ذلك غاية ما يقدر عليه أصلاً، عندما عرّاه الميدان وضروراته من الشعارات ودفئها الرخيص.
اختلفتْ الأحوالُ وتطابقت المآلات. لا المذهب غيَّر شيئًا فى الفكر هُنا أو هناك، ولا فارق القوة والاستعداد والمُبادأة، أو الجغرافيا الحرّة تمامًا مُقابل أخرى مُحاصَرة. دارت الدائرةُ على الجميع فى محور إيران، وسُحِقَ القلبُ والأطراف بالتساوى.
قبل يومين هاجت الدنيا فى الولايات المُتّحدة، والسبب أنَّ ترامب استرسل كعادته فى تجمُّعٍ انتخابى، قائلاً إنَّ أعباء الحرب مع الجمهورية الإسلامية تكلفة زهيدة مُقابل أمن البلد والعالم، وأخذته الجلالة فأضاف: «فليُدمّروا لوس أنجلوس، وليُدمّروا سان دييجو...».
والكَيدُ جَلىٌّ طبعًا، لخصومه الديمقراطيين عمومًا، أو لحاكم كاليفورنيا جافن نيوسوم. غير أنَّ الكلام أغضب الجميع؛ فانتقده جُمهوريّون كُثُر، ورَدَّ نوّابٌ وشيوخٌ وعُمَدٌ بلهجةٍ حادة، وصلت إلى الشَّتْم والتخوين ودعاوى المُساءلة والعزل.
تزيد مساحةُ المدينتين قليلاً على ألفَى كيلو مترٍ مربّع، ويقتربان من ستّة ملايين ساكن. حبّةُ رملٍ فى المحيط الأمريكى الشاسع، بنسبةٍ لا تتخطّى 1.5 % من البشر، ونحو واحد على 5 آلاف من الجغرافيا.
غزة إلى فلسطين أكبر منهما بالنسبة للولايات المُتحدة، وبتعادُل الأوزان تعدُل ولايتين أو أكثر، وما اقتُطع وراء نهر الليطانى كأنه عُشر أمريكا حجرا وبشرًا. على أن صُنّاع النكبة لدينا يحتفلون، ويُهنّئون بعضهم، ويعتبرون البلاد والعباد مُجرّد خسائر تكتيكية.
قالها خالد مشعل صراحةً، ولا يلتفت الحزبيون للمسألة من الأساس. وزاد مُتحدّث حماس، أمس، بتوصيف مُقامرة 7 أكتوبر بـ«العبور المُقدّس والكبير»، والتعامل معها كما لو كانت نصرًا كاملاً، وبُجملٍ ركيكة لا يصح فيها إلا أنها وقاحةٌ وقلة أدب.
مسلسل ميلودرامى لا يُمكن فصل حلقاته عن بعضها. رفض اتفاق أوسلو مع الاستفادة منه بالترشُّح والحُكم، ومشاغبة السلطة ومنظمة التحرير فى شرعيتها، ثم تجزئة القليل الباقى على أمل الوصول إلى كثير، لا أمل فيه بغير الاتحاد وإعلاء الوطنيّة على كل شعارٍ بديل.
اكتفت حماس بالقطاع، ونقلت الإحساس لتل أبيب بكلّ الصور؛ فلم تجد الأخيرةُ غضاضةً فى دعمها وتثبيت حكمها، وإتقان الدراما معها بمناوشات مُتقطّعة.
واللعبةُ، ضمنيّة كانت أم بالاتفاق، سمحت لنتنياهو بتثبيت الانقسام، وإبعاد شبح التسوية والدولة. ووفرت له الذرائع وقتما شاء، مع الحفاظ على «حدّ السكين» قريبًا من رقبة الناخبين.
كما أبقت للحركة حُكمَ غزّة، وصفةَ المقاومة الخدّاعة، مع قدرتها على إقناع المانحين وابتزاز سواهم. فكأنها صفقة يمينية رابحة فى الاتجاهين، تتقدّم فيها الأيديولوجيا على السياسة والدبلوماسية والأمن.
لم يمنع سلاح حزب الله إسرائيل من التجبُّر والحطّ من كرامة الميليشيات ومَن يقفون وراءها؛ لكنه منع لبنان من أن يكون دولة حقيقية، يمتلك زمام أمره، ويحتكر السلاح والقرار، وإن فُرِضَت عليه الحرب فلأجل مصالحه، لا كبش فداء لنزوات الآخرين.
ويبلغ التبجّح ذروته؛ إذ يُزايد جالبو الاحتلال على الساعين للتحرير. فيتواقح الطابور الخامس بتخوين رئيسى الدولة والحكومة؛ لأنهما وافقا على الجلوس إلى طاولة واحدة مع إسرائيل، مقابل استدعاء الحزب لها على مرمى حجرٍ من مخابئ الميليشيا ومخادع قادتها!
وإذا نحّينا المُكايدة لدى الصهاينة لأسباب سياسية وانتخابية، والموضوعية النادرة عند المُمانِعين لأسباب دعائية وخداعية؛ فالغالب النقد هناك، والمُكابرة هنا.
وقفوا أمام خسائرهم بأكثر من الاعتناء بما كبّدوه لخصومهم، وجمّد أغبياؤنا المشهد على كبسة الصاعق، وتجاهلوا أن القنبلة انفجرت فينا، وأغلب الضحايا إخوة لا أعداء!
تستفيد إسرائيل من دروسها، ونمضى على مذبح الزمن كالفئران، بلا ذاكرة، وبلا عقلٍ وبصيرةٍ كالمخابيل.
اعتمدت الجدار الحديدى استراتيجية أمنيّة بعد حرب النكبة، ثم طوّرته إلى «جز العشب» و»عقيدة الضاحية»، وامتدّ الخط على استقامته فأصاب محطّة «الردع الاستباقى».
ومن الإنشاء وتحصين المُتاح، إلى القضم المُتدرّج وإبقاء النار فوق الانطفاء ودون الإحراق، ثم الترويع وكىّ الوعى.
وأخيرًا إعادة رسم المُعادلات الأمنية والاستراتيجية، والاشتغال على تغيير تركيبة المنطقة، وتوازناتها القائمة.
لماذا تربح الدولة العبرية ونخسر؟ لأنها اعتبرت الطوفان هزيمةً؛ فلا ترضى بما تحقّق بعده، وردّت عليه أضعافا، وتسعى للمزيد.
أمّا الانتحاريون فاعتبروه نصرًا؛ لذا يحتفلون به ويتباهون، ولا يضيقون باستمرار نكبته، وكل ما دونه أو فى مستواه يعدّونه كافيًا وزيادة.
فريق يرفع السقف فيقفز عاليا، وآخر يُخفّضه حتى يلتصق بالأرض؛ فيسحقهم أو يضطرّون للزحف تحته كالنمل!
وعليه؛ فسيظل الجانى يتقدّم للأمام، ويتقهقر الضحايا. يشرب من الدم، ولا نمَلّ الانتحار والنزف المجانى، ويصعد على أكوام الردم والأشلاء.
لا أمل طالما نكتفى من البطولة بالهتافات، ومن الحياة بأننا قادرون على دفن موتانا. ما دمنا نرى الواحد منهم بألفٍ منّا، وأن دماءنا تُوزَن بدموعهم، وإزعاجهم يكفى مقابل دمارنا.
مَن يهُن يسهُل الهوان عليه، على قول المُتنبّى أيضًا؛ غير أن أهل الشعارات سيعتبرونه تحفيزًا على الانفجار، وردًّا على المُتخاذلين أمثالنا.
والحق؛ أن قمّة الهوان فى التبرّع بالهزيمة، وإسناد العدو، وربط الأبرياء إلى شجرة الفخر؛ ليفترسهم الذئب بأقل جهدٍ مُمكن، ويفخر الراعى بأنه باقٍ على باب الحظيرة!