استطاع الملك الفارسي كورش الكبير، خلال أقل من 15 عاما، تحويل مجموعة من القبائل شبه الرحل إلى واحدة من أكبر الإمبراطوريات في العالم القديم، مستفيدا من قوته العسكرية وسياسة اتسمت في كثير من مراحلها بالتسامح مع الشعوب التي أخضعها.
من زعيم قبائل إلى ملك للإمبراطورية
ولد كورش الكبير، المعروف أيضا باسم كورش الثاني، نحو عام 600 قبل الميلاد، وانتمى إلى الأسرة الأخمينية في جنوب غرب إيران الحالية.
اعتلى العرش عام 558 قبل الميلاد ملكا تابعا للإمبراطورية الميدية، قبل أن يوحد القبائل الفارسية ويقود ثورة ضد الملك الميدي أستياجيس وتمكن عام 550 قبل الميلاد من هزيمة القوات الميدية والاستيلاء على العاصمة إكباتانا، لتبدأ مرحلة جديدة من التوسع الفارسي، وفقاً لما ذكره موقع هيستوري.
إسقاط مملكة ليديا
توجه كورش بعد ذلك غربا، حيث دخل في مواجهة مع كرويسوس، ملك ليديا، التي كانت تسيطر على مناطق واسعة من غرب الأناضول.
وبعد انتصار القوات الفارسية في معركة ثيمبرا، حاصر كورش عاصمة ليديا ساردس حتى استسلمت، لتصبح المملكة جزءا من إمبراطوريته.
واتبع كورش سياسة أبقت على كثير من المؤسسات المحلية والنخب الحاكمة، كما سمح باستمرار بعض العادات والقوانين والأديان المحلية، وهو ما ساعده على تثبيت نفوذه في الأراضي التي سيطر عليها.
سقوط بابل دون قتال
كان سقوط الإمبراطورية البابلية الحديثة من أبرز محطات توسع كورش، ففي عام 539 قبل الميلاد، هزمت قواته الجيش البابلي واستولت على مدينة أوبيس، قبل أن تصل إلى بابل وتدخلها دون قتال، وبعد السيطرة على المدينة، ارتبط اسم كورش بسياسة أكثر تسامحا مع السكان المحليين، كما تشير أسطوانة كورش إلى دخوله بابل وسط أجواء من الفرح والسلام.
أسطوانة كورش.. وثيقة من عصره
تعد أسطوانة كورش من أشهر القطع الأثرية المرتبطة بالملك الفارسي، وهي قطعة طينية تحمل نقوشا مسمارية باللغة البابلية، اكتشفت عام 1879.
وتقدم الأسطوانة رواية عن دخول كورش بابل وسياسته تجاه المدينة، لكنها لا تعد، وفقا للمؤرخين، إعلانا حديثا لحقوق الإنسان كما توصف أحيانا، بل وثيقة ملكية تعكس تقاليد الحكم في العالم البابلي القديم.
إمبراطورية تمتد من بحر إيجة إلى نهر السند
مع توسع الفتوحات، امتدت الإمبراطورية الفارسية من مناطق بحر إيجة غربا إلى نهر السند شرقا، لتصبح واحدة من أكبر الإمبراطوريات التي عرفها العالم القديم.
واعتمد كورش على جيش منظم وسريع الحركة، وواصل حملاته العسكرية حتى وفاته نحو عام 529 قبل الميلاد.
نهاية كورش واستمرار الإمبراطورية
لا تزال تفاصيل وفاة كورش الكبير غير مؤكدة، وتشير روايات قديمة إلى أنه توفي خلال حملة عسكرية في المناطق الشرقية من إمبراطوريته.
وخلفه ابنه قمبيز الثاني، الذي واصل سياسة التوسع، ومن أبرز إنجازاته غزو مصر.
واستمرت الإمبراطورية الأخمينية لنحو قرنين بعد تأسيسها، قبل أن تسقط أمام جيوش الإسكندر الأكبر عام 330 قبل الميلاد.