هويدا عزت

"فيها حاجة حلوة" من مصر لكوريا

الخميس، 08 أكتوبر 2026 08:43 م


الأغنية التي خرجت من السينما ووصلت إلى مراسم الاستقبال

 

أحيانًا لا تحتاج الدول إلى خطاب سياسي أو كلمات كثيرة كي تقول ما تريد، فقد تكفي أغنية.

وفي مشهد لافت خلال مراسم استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي في العاصمة الكورية سول، قدم أطفال كوريون فقرة غنائية تضمنت الأغنية المصرية الشهيرة "فيها حاجة حلوة"، في حضور الرئيسين المصري والكوري، وسط أجواء احتفالية جمعت بين الطابع الرسمي واللمسة الإنسانية.

قد يبدو المشهد للوهلة الأولى مجرد فقرة فنية ضمن مراسم استقبال رسمية، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أكبر من ذلك؛ لأن الأغنية هنا لم تكن مجرد موسيقى تملأ دقائق من مناسبة رسمية، وإنما أصبحت وسيلة للتعبير عن صورة مصر، وعن حضور الثقافة المصرية خارج حدودها، بلغة يفهمها الجميع حتى وإن اختلفت اللغات.

"فيها حاجة حلوة" ليست أغنية موجودة في الذاكرة المصرية فقط كتب كلماتها الشاعر أيمن بهجت قمر، ووضع ألحانها الموسيقار عمر خيرت، وغنتها الفنانة ريهام عبد الحكيم، وظهرت في فيلم "عسل أسود"، ومن أجمل ما تقوله الأغنية:
فيها نية صافية.. فيها حاجة دافية
حاجة بتخليك تتبت فيها سنة سنة

وهي كلمات بسيطة في تركيبها، لكنها تحمل إحساسًا عميقًا بالارتباط بالمكان، وبالأشياء الصغيرة التي تجعل الإنسان يشعر أن الوطن ليس مجرد حدود جغرافية، وإنما تفاصيل وحكايات وذكريات وعلاقات إنسانية.

ولهذا استطاعت الأغنية أن تقدم مصر بطريقة إنسانية بسيطة، وهذا هو سر قدرتها على الوصول إلى الناس؛ فهي لا تقدم صورة رسمية أو مثالية عن مصر، وإنما تستحضر تفاصيل يعرفها المصري ويعيشها: الطعام، والأعياد، والشوارع، والأفراح، والذكريات، والجيرة، والتفاصيل اليومية التي تصنع علاقة الإنسان بمكانه.

 

لماذا "فيها حاجة حلوة" تحديداً؟

ليس المهم فقط أن أطفالًا كوريين غنوا أغنية مصرية، بل يكمن السر في توفيق هذا الاختيار واستثنائيته؛ فالأغنية لا تقدم صورة رسمية أو قالبًا نمطيًا عن مصر، بل تتغلغل مباشرة في الوجدان عبر تفاصيل الحياة اليومية الشديدة الخصوصية؛ فقد أشار الموسيقار عمر خيرت إلى أن العمل لامس مظاهر الثقافة الشعبية البسيطة (كالفول، والطعمية، والكشري)، بينما أكدت المطربة ريهام عبد الحكيم أنها تجمع ببراعة بين الأصالة، والهدوء، والحنان، وروح "الشقاوة" المصرية.

لهذا جاء اختيارها في محفل دولي على أرض كوريا الجنوبية ليمثل أكثر من مجرد أداء فني عابر؛ لقد تحولت الكلمات البسيطة (الطعام، الشارع، العيد، الفرح، واللمة) إلى سفير حي ينقل روح الشارع المصري ونبضه الحقيقي إلى جمهور عالمي، مقدمًا تعريفًا ثقافيًا لا يحتاج إلى خطابات طويلة لشرحه.

واللافت في المشهد أن من أدى الأغنية ليسوا مصريين، وإنما أطفال كوريون، وهنا تتجاوز الأغنية حدود اللغة؛ فالطفل الكوري قد لا يعرف كل تفاصيل الكلمات، وقد لا يعيش التفاصيل التي تتحدث عنها الأغنية، لكنه يستطيع أن ينقل إحساسها من خلال اللحن والأداء والابتسامة والحضور.

وهذه إحدى أهم نقاط قوة الفن؛ أنه يستطيع الوصول إلى مساحة لا تصل إليها البيانات الرسمية والخطابات السياسية؛ فالدول تتحدث عبر مؤسساتها، وتشرح مواقفها عبر الدبلوماسية، وتبني علاقاتها عبر الاتفاقيات والمصالح المشتركة، لكنها تستطيع أيضًا أن تترك أثرًا في الوجدان من خلال ثقافتها وفنونها وموسيقاها وأدبها.

وهنا يمكن فهم المشهد من زاوية "القوة الناعمة"، التي تقوم على قدرة الدول على الجذب والتأثير، من خلال الثقافة والفنون، والقيم، والصورة التي تتشكل عنها لدى الشعوب الأخرى، إلى جانب أدواتها السياسية، والاقتصادية، والدبلوماسية.

فكثيرًا ما نتحدث عن القوة الناعمة باعتبارها مفهومًا سياسيًا أو دبلوماسيًا، بينما تبدأ جذورها الحقيقية من أشياء تبدو بسيطة: أغنية، فيلم، كتاب، لوحة، مسلسل، عرض مسرحي، لاعب رياضي، أو حتى طفل يستطيع أن يجعل ثقافة بلاده محببة إلى الآخرين.

المشهد الذي شهدته سول يلفت الانتباه كذلك إلى مفهوم مهم هو الدبلوماسية الثقافية؛ فالعلاقات بين الشعوب لا تُبنى فقط داخل غرف الاجتماعات، أحيانًا تبدأ من مشهد إنساني صغير، عندما يسمع شخص من بلد آخر أغنية من بلد لا يتحدث لغته، فيشعر بشيء من القرب تجاهه.

وقد يكون هذا هو المعنى الأعمق للمشهد الكوري، أن الثقافة تستطيع أن تفتح بابًا للتواصل قبل أن تبدأ الكلمات الرسمية؛ فالأطفال الذين غنوا الأغنية لم يكونوا يقدمون محاضرة عن مصر، ولم يحتاجوا إلى شرح طويل عن الحضارة المصرية، وإنما قدموا شيئًا بسيطًا وصل مباشرة إلى الوجدان.

وهنا يصبح من المهم أن ننظر إلى الفن من زاوية أوسع، الفن يرفه: نعم، لكنه أيضًا يربط الإنسان بذاكرته، ويعبر عن هويته، ويقدم ثقافته للآخرين، ويصنع صورًا ذهنية قد تبقى في الذاكرة سنوات طويلة.

فقد لا يتذكر المشاهد بعد سنوات تفاصيل كل ما قيل في مناسبة رسمية، لكنه قد يتذكر أطفالًا كوريين يغنون أغنية مصرية، ويتذكر أن هناك أغنية اسمها "فيها حاجة حلوة" جعلت لحظة رسمية أكثر دفئًا وإنسانية.

ولذلك فإن حضور الفن في المناسبات الدولية ليس خروجًا عن الجدية، وإنما يمكن أن يكون جزءًا من صناعة صورة أكثر إنسانية للدولة.

ومشهد كهذا يجعلنا نتوقف قليلًا أمام قيمة الفن الذي يستطيع أن يسافر وحده، وأن يعبر الحدود دون جواز سفر، وأن يصل إلى جمهور لا يتحدث العربية، ثم يترك لديه شيئًا من الإحساس بالمكان الذي جاءت منه الأغنية.

ليست قيمة الفن في أنه يجعلنا ننسى الواقع فقط، وإنما في أنه يساعدنا أحيانًا على رؤية واقعنا بطريقة مختلفة. ومن هنا، فإن المشهد الذي جمع أطفال كوريا بأغنية مصرية لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره فقرة غنائية عابرة في مراسم استقبال، وإنما باعتباره تذكيرًا بسيطًا بأن الثقافة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب، وأن الأغنية قد تفعل أحيانًا ما تعجز عنه الكلمات الطويلة.

ربما كانت أجمل مفارقات هذا المشهد أن الأغنية نفسها تقول إن في مصر "حاجة حلوة"، لكن هذه المرة جاءت الإجابة من بعيد.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة