"تكلّم حتى أراك"، حكمة فلسفية شهيرة للفيلسوف اليوناني سقراط، وتتطابق مع قول الإمام علي بن أبي طالب: "المرء مخبوء تحت لسانه، فإذا تحدث ظهر". وكلاهما يوضحان أن جوهر الإنسان وحقيقة أفكاره لا يظهران إلا من خلال كلامه وحديثه. ومهما كان مظهر الإنسان الخارجي جميلًا وأنيقًا ومرتبًا، فلا يمكننا معرفة منطق الشخص واتجاهاته وأفكاره وأحاسيسه إلا من خلال "صوته" عندما يتحدث. والصوت هنا يشمل مفردات كلامه، والجمل التي ينطقها ويختارها، إضافة إلى طريقة كلامه، التي يعرض بها أفكاره ومكنوناته، ويعبّر بها عن مشاعره.
عندما تسير في الشارع أو تجلس في مكان ما، وتركز مع المحيطين حولك، قد ترى أشخاصًا يرتدون ثيابًا أنيقة جدًا، فيظن عقلك أنهم أشخاص مهمون، ذوو نفوذ، ولديهم أسلوب راقٍ ومنطق مهم. وعند حديثك معهم، تقع الصدمة، فتجد طريقة كلام غير لائقة، وألفاظًا سيئة، وصوتًا مزعجًا! وكل ذلك عكس المظهر تمامًا!
وقد يحدث العكس أيضًا، عندما تتعرف على أحد الأشخاص عبر الهاتف، ولم تلتقِ به بعد، فيصوّر لك عقلك صورة معينة لمظهر هذا الشخص، وذلك بناءً على سماعك لصوته واختياره لكلماته الراقية، والمنطق العميق الذي يفكر به، وطريقته الطيبة في التعبير عن أفكاره ومشاعره. وعندما ترى هذا الشخص، ربما تقع في صدمة أيضًا، لأن خيالك القائم على صوته صوّر لك مظهرًا ربما يكون مختلفًا كليًا عن حقيقة هيئة هذا الشخص ومظهره.
في كلتا الحالتين، الأمر قد يبدو مقبولًا بين البشر، وقد يعتادوا المظهر بعد فترة من الزمن، إذا كانوا متفقين مع أفكار الشخص ومنطقه، مما يؤكد الحكم والأقوال السابق ذكرها في بداية المقال. ولكن، كيف يكون الحال في عصر التواصل الرقمي، حيث أصبح الأشخاص يفعلون كل ما يستطيعون حتى يظهروا بمظهر أنيق وفخم وثري، على عكس حقيقتهم! عصر تتواصل فيه البشر دون أن تتصل وتلتقي وجهًا لوجه؟ أو تلتقي من خلال صورة رقمية وهمية؟ أو ربما تتواصل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تفهمك جيدًا دون أن تلتقي بك؟!
في حقيقة الأمر، ربما يظل الصوت والمظهر محتفظين بمكانتهما في تحديد هوية الأشخاص أثناء التواصل بين البشر، ولكن بطريقة مختلفة، فكلاهما أصبحا رقميين (الصوت الرقمي والمظهر الرقمي)، وهما عملة التواصل الفعّال في العصر الحالي. حيث تحوّل الإنسان إلى سلعة، يجب عليه تسويقها رقميًا، من خلال الصور والمنشورات المجارية للأحداث، كي يخلق له مكانًا في المجتمع الذي لا يعترف إلا بالنسخة المثالية منه!
نحن الآن نعيش في زمن به أعلى معدلات العزلة البشرية عبر التاريخ، ومع ذلك جميعنا يمتلك آلاف الأصدقاء والمتابعين عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي. غالبيتنا استبدل التواصل الرقمي عبر الرموز التعبيرية بالاتصال الإنساني العميق. إضافة إلى أن كلًا منا يعيش في فقاعته الخاصة، ويدور في عالمه المتوحد الذي لا يقبل فيه اختلاف الآخرين، حيث تعرض لنا الخوارزميات ما نود أن نراه ونتابعه فقط، والأعلى مشاهدة، دون عرض وجهات النظر الأخرى.
وهنا تأتي وجهة نظر الأديب الروسي دوستويفسكي، التي توصل إليها بعد 2000 عام من الحكمة الأولى، برؤية نفسية عميقة، وقال إنه "قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشه بالثرثرة، إياك أن تظن أنك عرفتني لمجرد أني تحدثت إليك". فالصوت الرقمي والمظهر الرقمي لا يمثلان إلا مجرد كلام سطحي، أي "قناع"، يخفي خلفه التعقيدات النفسية الحقيقية للأشخاص.
فإذا سألت الذكاء الاصطناعي عن مظهره، فسيقول لك إن كلماته هي شكله، بما أنه نموذج لغوي، فإن رداءه الخارجي، أي مظهره، هو النصوص والردود التي يكتبها لك أنت كإنسان. كما أن أسلوبه في الحوار يتمثل في طريقته في تنظيم الأفكار، والإجابة هي التي ترسم صورته في مخيلتك كإنسان. إضافة إلى أن مظهره الرقمي قائم على المرونة والتكيف، اللذين يتشكلان ليتناسبا مع اهتماماتك وعمق نقاشك كإنسان.
فإذا طبقنا حكمة دوستويفسكي على الذكاء الاصطناعي، نجدها مطابقة تمامًا، فلا تظن، صديقي القارئ، أنك عرفت الذكاء الاصطناعي بمجرد أنك تحدثت إليه، لأن في أعماقه ما لا يمكن تصوره، لأنه دائم التعلم منك، ويرتدي المظهر الذي تريده أنت، ويختلف ذلك المظهر باختلاف الأشخاص المستخدمين، ومفارقتهم بين واقعهم وحقيقتهم وما يرغبون به في مظهرهم الرقمي.
صديقي القارئ، ربما تستعجب من استعانتي بتلك الحكم الفلسفية المأثورة في ظل صخب المنصات واختفاء الحكمة وسيادة السرعة والاندفاع والأصوات العالية، وقتل التأمل والتفكير العميق. لكني أذكّرك كي لا تفقد إنسانيتك وعفويتك وواقعك، وتغرق في مظهر هذا العصر الوهمي الزائف، ذي الصوت المصطنع والمظهر الفُقاعي.