لم تجد صابرين الجبري وقتا لتبكي شقيقها الوحيد وزوجته اللذين ارتقيا خلال الحرب على غزة، ولم تمنحها الظروف فرصة للانكفاء على حزنها أو التفكير طويلا في حجم الفقد الذي أصابها، ففي اللحظة التي فقدت فيها شقيقها، وجدت نفسها أمام مسؤولية جديدة وثقيلة، رعاية خمس يتيمات تركهما خلفه، إلى جانب أبنائها الثمانية، والعناية بأمها المسنة المصابة بالسرطان والإعاقة.
وسط ظروف النزوح القاسية، تحولت حياة صابرين من امرأة تحمل شهادات وأحلاما وطموحات إلى أم وراعية لأسرة كبيرة، تحاول أن تؤمن لأفرادها ما تستطيع من احتياجات أساسية، في وقت تتراجع فيه الإمكانيات وتتزايد فيه الأعباء.
صابرين الجبرى
صابرين، السيدة النازحة التي درست القانون والدراسات القضائية، إلى جانب السكرتارية الطبية والشريعة الإسلامية، كانت تملك تصورا مختلفا لحياتها، شهاداتها كانت بالنسبة إليها طريقا نحو مستقبل مهني وحياة أكثر استقرارا، لكن الحرب فرضت عليها واقعا آخر، وجعلت الأولوية للبقاء ورعاية الأسرة.
تعيش صابرين اليوم وسط الخيام، حاملة مسؤولية 13 طفلا، هم أبناؤها الثمانية وبنات شقيقها الخمس، إضافة إلى مسؤولية أمها المريضة التي تحتاج إلى رعاية مستمرة، وبين هذه المسؤوليات المتشابكة، تحاول أن تؤدي أدوارا متعددة في الوقت نفسه؛ فهي الأم التي يحتاج إليها أبناؤها، والعمة التي أصبحت بمثابة الأم للأطفال الذين فقدوا والديهم، والابنة التي لا تستطيع ترك أمها وحيدة في مواجهة المرض.
من الحزن إلى المسؤولية
لم يكن فقدان الشقيق مجرد حادثة مؤلمة في حياة صابرين، بل كان نقطة تحول كاملة، فمع رحيله وزوجته، وجدت نفسها أمام خمس طفلات فقدن والديهما دفعة واحدة، وأصبحت مطالبة بأن توفر لهن الرعاية والاحتواء، بينما كانت هي نفسها تحاول استيعاب فقد شقيقها، لكن المسؤولية لم تترك لها مساحة طويلة للحزن.
في حياة النازحين، تتحول التفاصيل البسيطة إلى تحديات يومية، توفير الطعام، والحصول على العلاج، وتأمين مكان آمن للأطفال، ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة، كلها أمور تحتاج إلى جهد مستمر، وبالنسبة لصابرين، تتضاعف هذه المسؤوليات مع اتساع دائرة من تعولهم.
تقول قصتها إن النزوح لا يعني فقط فقدان المنزل، وإنما يعني في كثير من الأحيان فقدان الاستقرار والأمان ومصادر الدخل، وتحول أفراد الأسرة إلى البحث يوميا عن الحد الأدنى من مقومات الحياة.
صابرين الجبرى وأسرتها
شهادات مؤجلة وأحلام معلقة
قبل الحرب، كانت صابرين تحمل طموحات مرتبطة بدراستها، فقد حصلت على تعليم في القانون والدراسات القضائية، ودرست كذلك السكرتارية الطبية والشريعة الإسلامية، وكانت تمتلك مجموعة من المهارات التي كان يمكن أن تساعدها في بناء مستقبل مهني، لكن الحرب بدلت الأولويات.
لم تعد الوظيفة أو المستقبل المهني في مقدمة اهتماماتها، بعدما أصبحت مسؤولية الأطفال والأم المريضة هي العنوان الأبرز لحياتها، ومع ذلك، لم تختفِ أحلامها تماما، وإنما أصبحت مؤجلة إلى وقت آخر، حين تسمح الظروف بحياة أكثر استقرارا.
اليوم، تبدو الشهادات التي حصلت عليها جزءا من حياة سابقة، بينما الواقع يفرض عليها استخدام مهارات أخرى لا تمنحها إياها الدراسة، مثل الصبر والتحمل والقدرة على إدارة أسرة كبيرة في ظروف استثنائية.
أم لثمانية وعمة لخمس يتيمات
أصعب ما في قصة صابرين ربما يكمن في تعدد الأدوار التي اضطرت إلى القيام بها، فهي أم لثمانية أبناء، وفي الوقت ذاته مسؤولة عن خمس طفلات فقدن والديهما.
الأطفال، بطبيعة الحال، لا يرون حجم الأعباء التي تحملها المرأة من أجلهم، هم يرون فقط الشخص الذي يلجأون إليه عندما يشعرون بالخوف أو الجوع أو المرض، ولذلك تحاول صابرين أن تكون حاضرة بالنسبة إليهم، رغم أنها تحمل داخلها حزنا لا تجد الوقت الكافي للتعامل معه.
وبين احتياجات الأطفال ومرض الأم، يصبح يوم صابرين سلسلة متواصلة من المسؤوليات، لا تترك لها كثيرا من الوقت لتفكر في نفسها.
امرأة في مواجهة واقع يفوق طاقتها
قصة صابرين ليست حالة فردية تعكس معاناة امرأة واحدة فحسب، وإنما تقدم صورة عن الوجه الإنساني للنزوح والحرب، حيث تتحول النساء في كثير من الأسر إلى خطوط الدفاع الأولى عن الأطفال وكبار السن والمرضى.
وفي حالة صابرين، اجتمعت عدة أزمات في وقت واحد: فقدان الشقيق وزوجته، رعاية خمسة أيتام، إعالة ثمانية أبناء، والاعتناء بأم مصابة بالسرطان والإعاقة، إلى جانب العيش في ظروف النزوح وقلة الإمكانيات.
ورغم ذلك، تستمر في أداء دورها، يوما بعد آخر، لا تتحدث قصتها عن القوة باعتبارها غيابا للحزن، بل باعتبارها القدرة على الاستمرار رغم الحزن، فصابرين لم تتجاوز فقدان شقيقها، لكنها اضطرت إلى تأجيل الحزن لأن هناك من يحتاج إليها.
وفي الوقت الذي تحمل فيه المرأة مسؤوليات أسرتها، تحمل أيضا أحلاما مؤجلة وحياة كان من الممكن أن تكون مختلفة، وبين الماضي الذي فقدته والمستقبل الذي لا تعرف ملامحه، تحاول أن تصنع حاضرا يستطيع أطفالها العيش فيه.
كانت صابرين تحمل شهادات وأحلاما، فأصبحت تحمل عائلة كاملة، وربما تختصر هذه الجملة وحدها قصتها كلها، امرأة لم تختر أن تكون في هذا الموقع، لكن الظروف دفعتها إليه، فاختارت أن تتمسك بمن حولها، وتجعل من قدرتها على الصمود وسيلة لحماية أطفالها وأبناء شقيقها وأمها.
إنها ليست مجرد حكاية نازحة فقدت بيتها، بل قصة إنسانة وجدت نفسها أمام اختبار قاس للحياة، فاختارت أن تؤجل بكاءها، وتواصل الطريق، لأن هناك 13 طفلا وأما مريضة ينتظرون منها أن تبقى قوية.