لم يكن قتلي لها هو الدافع الذي جعلني أقدم على الانتحار في تلك الليلة، ولم يكن خوفي من مواجهة المسؤولية؛ فلم يرني أحد وأنا أقوم بذلك، وقد خططت للجريمة بما لم يترك خلفي أثرًا أو خيطًا يؤدي إلى الإمساك بي. ولم يكن أحد يعرف بعلاقتي بها.
كانت مقابلتي لها بعيدة عن أعين الناس. تعرفت إليها في زحمة المواصلات، ثم توطدت علاقتنا، وقابلتها عشرات المرات، واستبد بنا الهوى والحب. ولم أكن أعلم، وأنا أنبهها إلى سرية علاقتنا حتى عن أقرب الناس إليها، أن أمامنا وقتًا طويلًا نستعد فيه للزواج.
كانت مطيعة في كل ما أطلبه منها، وكنا نلتقي في الزحام، في الأماكن التي لا يعرفنا فيها أحد، حيث يسرع الجميع ولا يلتفت أحد إلى أحد. واستثنينا ذلك الجسر، على فترات متباعدة، وعلى الضفة الأخرى من بائع الشاي.
لم يلحظ هو أنني أعرفه؛ فقد مرت عليه وجوه كثيرة، وكان ينهمك في عمله ويفرغ ذاكرته من الوجوه أولًا بأول.
كانت فتاة ملهمة، جميلة، حادة الذكاء، ولها أسلوب في الحديث يأخذ بالألباب والقلوب. كانت تشعرك أنك أنت صاحب الذكاء حين تقتحم، بخفة ظلها، دقائق حياتك، لتصبح عاريًا أمامها تمامًا دون أن تشعر بالخجل.
كانت تطيعك، وتعطيك مكانتك وقدرًا كبيرًا من الاهتمام، لتمنحك السعادة والشعور بالرضا. «فأنت أول من خفق له قلبي»، هكذا كانت تقول.
لم أمل حديثها يومًا، ولم أشعر أنها ملت هي أيضًا من حديثي. في تلك الأشهر كنت أعيش في عالم من السحر صنعته لي، وأدخلتني جنة أرضية لم تطأها قدماي من قبل.
كانت نظرتها بكرًا، وكان خجلها، حين تحمر له وجنتاها، يشعل في قلبي حريقًا من اللهفة والامتنان لهذا الحب الذي ألقاه القدر أمامي مصادفة، وأنا أمضي في طريقي إلى عملي.
مضيت في ذلك الحلم، أغترف من سبحاته وجنونه، ويذهب بي كل مذهب، حتى ذلك اليوم الذي كنت أخرج فيه مرتاحًا، أسبح في بحر من الخيال والحب. كانت لا تفارق ذهني لحظة واحدة، حتى حين آوي إلى فراشي؛ فلا بد من حلم أو اثنين وأنا عالق بين الخيال والحقيقة.
كانت خطواتي في ذلك اليوم سريعة خفيفة، كأنها سكرى بمتعة خفية.
وهناك، على ضفة الجسر، وفي المكان نفسه، رأيتها.
كانت تهيم على إيقاع صوت النهر، يدها في يده، ونظرتها العميقة التي طالما نظرت بها إليّ تتجه إليه. كان يناجيها ويحدثها، فأرى أثر حديثه ابتسامة أو ضحكة مجلجلة، ونظرة كسهم تخترق أعمق أعماق القلب لتستقر فيه.
ثبت لي أنها ملكت قلبها له تمامًا، وأن مملكتها واسعة؛ تملك عشرات، وربما مئات القلوب.
انسحبت في صمت، وعدت بغير القلب الذي ذهبت به منذ قليل، ألمّ أشلاءه الممزقة وأنا أسير على نبضات الألم التي ألقتها في كل اتجاه.
كان باستطاعتها أن تنسحب من حياتي بسهولة ويسر، ودون أن تطعنه، ولكن ذلك لا يرضي غرور هؤلاء الذين يجمعون المتناقضات بين جوانح صدورهم.
كانت ترى متعة كبيرة في أسر القلوب وخيانتها. تملأها الفخر وهي تطعنها، دون أن يظهر عليها أثر دم؛ بل قد تبكي فتظهر رحمة كبيرة، بينما الضحية لا تدري، ولا يخطر ببالها أنها صاحبة الضربة.
لم أكن أشك فيها. ولو أخبرني العالم كله بما رأيته دون أن أراه، لما صدقت. فلها قلب غير كل القلوب، وعقل ذكي لا يسيء إلى أحد. كانت تملك قدرة عجيبة على إتقان التمثيل.
كنت في طريقي إلى البيت، لا أرى أمامي، وقد سقطت دموعي من عيني ولم أستطع كبح جماحها. كنت أتعثر وأحاول أن أبدو طبيعيًا، حين كانت بعض النظرات تسترق اللمحة إلى شاب يمضي وحيدًا في الطريق:
ما الذي أصابه؟ أهو مريض؟ أهو متألم؟
كانت بعض النظرات مشفقة، لكنها سرعان ما تنسى ما قابلها في الطريق، وربما تذكره من باب الدعابة.
ألقيت نفسي على الفراش، وانهمرت دموعي، وبكيت كما لو أنني لم أبكِ من قبل.
ثم تحولت شيئًا فشيئًا إلى لا شيء.
لا حس.
لا شعور.
ثم استغرقني نوم عميق.
خالد دومة