قال الدكتور حسام البقيعي، خبير العلاقات الدولية، إن العلاقات المصرية الكورية الجنوبية تمر بمرحلة مهمة من التطور، مشيرًا إلى أن زيارة الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى سول تمثل نقطة محورية جديدة في مسار العلاقات بين البلدين، فى ظل وجود إرادة سياسية مشتركة لتعزيز التعاون في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية.
تاريخ طويل من العلاقات المصرية الكورية
وأوضح خبير العلاقات الدولية، خلال مداخلة هاتفية عبر قناة القاهرة الإخبارية، أن مصر كانت مقرًا لانعقاد المؤتمر الذي دعا إلى حق تقرير المصير لكوريا الجنوبية عام 1943، مشيرًا إلى أن العلاقات بين البلدين شهدت محطات متعددة منذ ذلك التاريخ، من بينها تبادل القنصليات عام 1961، قبل أن تصل العلاقات إلى مرحلة تبادل السفراء عام 1995.
وأضاف أن زيارة الرئيس السيسي إلى كوريا الجنوبية تأتي ضمن جولته الآسيوية التي تشمل ماليزيا وإندونيسيا، كما تمثل متابعة لزيارة الرئيس الكوري الجنوبي إلى مصر العام الماضي، وما جرى خلالها من اتفاقيات وتفاهمات بشأن التعليم والتبادل الدبلوماسي وتبادل الرؤى والتنسيق في القضايا الدولية.
وأشار إلى أن من بين القواسم المشتركة بين مصر وكوريا الجنوبية الاعتماد على الطرق الدبلوماسية في حل النزاعات، موضحًا أن الدولتين دعتا في مناسبات عديدة إلى الحلول الدبلوماسية، خاصة في ظل التوترات والصراعات التي تشهدها المنطقة. وأكد أن مصر تدرك أهمية كوريا الجنوبية في إطار سياسة التوازن الاستراتيجي التي تتبعها، كما تدرك سول أهمية مصر وموقعها الاستراتيجي ودورها في محيطها العربي والإفريقي والأوروبي.
وأوضح البقيعي أن الموقع الاستراتيجي لمصر يجعلها بوابة مهمة أمام حركة الصادرات والتجارة إلى القارة الإفريقية والمنطقة العربية وأوروبا، وهو ما يمثل عنصرًا مهمًا في العلاقات الاقتصادية مع كوريا الجنوبية. وأشار إلى أن عضوية مصر في تجمع بريكس وعدد من التنظيمات الاقتصادية تمنح كوريا الجنوبية فرصة لتعزيز علاقاتها بهذه الأطر من خلال الشراكة مع القاهرة، في ظل صعوبة انضمام سول إلى بعض هذه التكتلات بسبب طبيعة تحالفاتها الدولية.
منطقة صناعية كورية محتملة في قناة السويس
وقال حسام البقيعي إن هناك تقارير أشارت إلى وجود مفاوضات ودراسة من الجانب الكوري بشأن إقامة منطقة صناعية كورية في منطقة قناة السويس، لافتًا إلى وجود استثمارات ومصانع كورية بالفعل في مصر، ومن بينها مشروعات في بني سويف ومناطق أخرى.
وأضاف أن طبيعة العلاقات الحالية بين البلدين يمكن أن تفتح المجال أمام إقامة مشروعات كورية جديدة في منطقة قناة السويس، مشيرًا إلى أن ما يميز التعاون مع كوريا الجنوبية هو إمكانية توطين التكنولوجيا ونقل الخبرات، وليس الاقتصار على حركة الصادرات والواردات.
وأوضح البقيعي أن كوريا الجنوبية تمتلك خبرات صناعية وتكنولوجية يمكن لمصر الاستفادة منها، مؤكدًا أن إقامة المصانع الكورية في مصر يمكن أن تسهم في نقل هذه الخبرات والتكنولوجيا إلى السوق المصرية. وأشار إلى أن التعاون في هذا المجال يمكن أن يحقق استفادة متبادلة من خلال توسيع الاستثمارات وتعزيز القدرات الصناعية وفتح مجالات جديدة للتعاون بين البلدين.
وأكد أن كوريا الجنوبية تدرك أهمية مصر في الوصول إلى الأسواق الإفريقية، موضحًا أن الاستفادة لا تقتصر على اتفاقية التجارة الحرة الإفريقية، وإنما تمتد إلى عضوية مصر في تنظيمات اقتصادية مثل الكوميسا. وأضاف أن الكوميسا تضم نحو 17 دولة من دول شرق إفريقيا، وهو ما يمنح الشركات الكورية فرصة للاستفادة من موقع مصر وعلاقاتها الاقتصادية في الوصول إلى عدد كبير من الأسواق والتنظيمات والمناطق على مستوى القارة.
التعاون التعليمي والثقافي يعزز التقارب بين الشعبين
وأشار البقيعي إلى وجود اهتمام كوري كبير بما وصفه بالقوة الناعمة، من خلال نشر الخبرات التعليمية والجامعات الكورية في عدد من دول العالم، موضحًا أن فكرة إنشاء جامعة كورية في مصر كانت ضمن الموضوعات التي نوقشت خلال لقاء الرئيس السيسي والرئيس الكوري الجنوبي العام الماضي.
وأضاف أن نشر الثقافة الكورية في مصر يمثل جانبًا آخر من جوانب التقارب بين الشعبين، مشيرًا إلى انتشار المسلسلات الكورية وما تنقله من العادات والتقاليد والثقافة الكورية الجنوبية، وهو ما يسهم في زيادة معرفة الشعب المصري والعربي بهذه الثقافة وتعزيز التقارب بين الجانبين.
وقال حسام البقيعي إن أعداد المصريين الموجودين في كوريا الجنوبية شهدت زيادة خلال الفترة الماضية، إلا أن هناك بعض التحديات التي تحول دون زيادة الأعداد، وفي مقدمتها اللغة الكورية. وأوضح أن كوريا الجنوبية تعمل على نشر لغتها في عدد من المناطق حول العالم وإنشاء مراكز لتعليمها، مشيرًا إلى زيادة الاهتمام خلال الفترة الماضية بنشر الثقافة واللغة الكورية. وأضاف أن احترام الشعب الكوري للثقافات الأخرى يمثل عاملًا يساعد على استقطاب ثقافات مختلفة، لكن تعلم اللغة الكورية يظل من أبرز التحديات، نظرًا إلى حاجتها إلى وقت وجهد.
الطاقة النظيفة مجال واعد للتعاون
وأشار البقيعي إلى أن الطاقة النظيفة تمثل أحد أهم المجالات التي تهم الجانب الكوري، موضحًا أن مصر تمتلك إمكانات كبيرة في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية. ولفت إلى مشروعات الطاقة الكبرى التي نفذتها مصر، ومنها محطة بنبان في أسوان، مشيرًا إلى أن الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وصلت إلى نحو 15% من مزيج الطاقة في مصر خلال الفترة الماضية نتيجة اهتمام الدولة بهذا القطاع.
وأكد أن كوريا الجنوبية تمتلك تكنولوجيا يمكن لمصر الاستفادة منها في زيادة نسبة الطاقة البديلة وتقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي والبترول في إنتاج الطاقة، خاصة في مجال الكهرباء. وأكد حسام البقيعي أن القضية الفلسطينية لا تغيب عن لقاءات المسؤولين المصريين، خاصة على المستوى الرئاسي، مشيرًا إلى أن مصر تحمل القضية الفلسطينية على عاتقها في مختلف تحركاتها ولقاءاتها.
وأوضح أن المباحثات المصرية الكورية من المتوقع أن تتناول الأوضاع في قطاع غزة، وما آلت إليه الأوضاع في فلسطين، إلى جانب بحث ما يمكن أن تقدمه كوريا الجنوبية للمساعدة في حلحلة الوضع وتقديم المساعدات لسكان قطاع غزة.
كوريا الجنوبية تفضل الحل الدبلوماسي لأزمة مضيق هرمز
وقال البقيعي إن كوريا الجنوبية من أكثر الدول الآسيوية تأثرًا بإغلاق مضيق هرمز، نظرًا إلى توجه نسبة كبيرة من النفط الذي يمر عبر المضيق إلى الأسواق الآسيوية. وأوضح أن كوريا الجنوبية، رغم تحالفها الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، لم تنخرط في الجهود العسكرية لفتح المضيق، مشيرًا إلى أن سول تريد إعادة تسيير الملاحة في المضيق من خلال الجهود الدبلوماسية.
وأضاف أن كوريا الجنوبية تدرك أن الجهود العسكرية لن تكون الحل لإعادة فتح المضيق، ولذلك تتمسك بالحلول الدبلوماسية. وأكد البقيعي أن السياسة الخارجية المصرية القائمة على التوازن الاستراتيجي لا تعني عدم الاهتمام بالقضايا الدولية، وإنما ساهمت، من وجهة نظره، في تعزيز مكانة مصر كشريك في التعامل مع النزاعات المختلفة.
وأوضح أن مبادئ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واحترام سيادتها أتاحت لمصر أن تكون طرفًا موثوقًا به في العديد من القضايا، مشيرًا إلى امتلاك القاهرة علاقات مع أطراف مختلفة في أزمات ونزاعات متعددة. وأشار إلى العلاقات المصرية مع روسيا وأوكرانيا، وكذلك الدور المصري في القضية الفلسطينية، معتبرًا أن موقع مصر وتاريخها وإمكانياتها يمنحها قدرة على لعب دور في دعم الاستقرار وحل الأزمات. وأضاف أن مصر ترتبط بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تربطها علاقات جيدة بإيران، وهو ما يسمح لها بالتواصل مع أطراف مختلفة في ظل الأزمات الإقليمية.
الاقتصاد محور رئيسي في السياسة الخارجية المصرية
وأشار حسام البقيعي إلى أن الجانب الاقتصادي يمثل أحد الأهداف المهمة للسياسة الخارجية المصرية، موضحًا أن إقامة منطقة اقتصادية في قناة السويس للجانب الكوري يمكن أن تسهم في توفير فرص عمل للشباب المصري ونقل التكنولوجيا وتوطينها. وأكد أن الاقتصاد المصري يتمتع بالتنوع، وهو ما يستدعي استغلال هذه الإمكانيات وعرضها على الجانب الكوري، خاصة مع توجه الدولة إلى تيسير الاستثمارات وتقديم حوافز لجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة.
وقال إن حجم التبادل التجاري بين البلدين يمثل مستوى جيدًا، لكنه يرى أن هناك مجالًا كبيرًا لزيادته، في ظل قوة العلاقات بين القيادتين والعلاقات الاستراتيجية بين مصر وكوريا الجنوبية، متوقعًا أن تشهد العلاقات الاقتصادية نموًا خلال الفترة المقبلة.