بدأت الحكومة التركية تنفيذ مشروع تكنولوجي رائد يعتمد على تركيب نظام حماية كاثودية في منتزه جاليبولي التاريخي تحت الماء، تهدف هذه المبادرة الاستثنائية إلى مكافحة التآكل والحفاظ على أكثر من 100 حطام لسفن غارقة منذ الحرب العالمية الأولى، من بينها حطام المدمرة البريطانية الشهيرة "إتش إم إس لويس" (HMS Louis) الملتوية والقابعة في الأعماق منذ أكثر من قرن، وفقا لما نشره موقع usaartnews.
تقنية مبتكرة لحفظ التاريخ من الفناء
المبادرة التي تحمل اسم "التراث العميق" تعد أول تطبيق واسع النطاق عالمياً لمنع تحلل حطام السفن الحربية الحديثة، حيث كان التركيز الأثري سابقاً ينصب على البقايا القديمة.
وتعتمد هذه الآلية على تزويد الحطام بتيار كهربائي ضعيف يربط السفينة بـ"أنودات تضحية" من الزنك عبر كابلات نحاسية مدفونة في قاع البحر، مما يجعل التآكل يلتهم الزنك بدلاً من هيكل السفينة الفولاذي.
وأوضح يوسف كارتال، رئيس قسم التخطيط والمشاريع في إدارة الموقع، أهمية التدخل العاجل قائلاً: "بدون هذا التدخل، يتوقع الباحثون اختفاء السفن المدرعة تماماً في غضون 50 إلى 75 عاماً، بينما ستختفي السفن المدنية في وقت أقرب، في حين يمكن للحماية الكاثودية نظرياً تمديد عمرها لمئات السنين".
خطة مستمرة لمدة 8 سنوات
يسعى المشروع على مدار السنوات الثماني المقبلة إلى حماية 17 موقعاً حاسماً تم اختيارها بناءً على قيمتها التاريخية ومعدلات تآكلها الحالية، بالتوازي مع إجراء مسح ثلاثي الأبعاد لـ 20 حطاماً آخر تضررت بشكل لا يمكن إصلاحه.
وقد بدأت المرحلة الأولى بنجاح الشهر الماضي على عمق 13 متراً بحماية السفينة البريطانية "لويس" بتكلفة أولية بلغت مليون دولار.
لكن كارتال أشار إلى أن التكاليف قد تتضاعف أربع مرات عند الانتقال إلى الأعماق السحيقة لحماية سفن أكبر، مثل سفينة الركاب الفرنسية "إس إس كارثاج" المستقرة على عمق 84 متراً، والتي لا تزال بنيتها العلوية سليمة رغم إصابتها بطوربيد ألماني.
السياحة المفرطة وتغير المناخ
يواجه المنتزه، المدرج على القائمة المؤقتة للتراث العالمي لليونسكو، تحديات معقدة بعد فتحه للغوص السياحي عام 2022، إذ يستقبل حالياً 4700 غواص سنوياً، ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الرقم ثلاث مرات خلال العقد المقبل.
وحذر الباحث الأسترالي بيل سيلارز، المقيم في المنطقة، من مخاطر السياحة المفرطة قائلاً: "هذه السفن تمثل قبوراً لآلاف الرجال، ولقد شاهدت بنفسي قوارب تلقي بمراسيها الثقيلة مباشرة فوق الحطام".
إلى جانب العامل البشري، يفرض تغير المناخ تهديدات غامضة، فالارتفاع المستمر في درجات حرارة المياه، ونقص الأكسجين، وزيادة البكتيريا، والتلوث، كلها عوامل تتطلب مراقبة بيئية مستمرة لضمان نجاح النظام الكاثودي.
ناقوس خطر
شهدت العقود الماضية عمليات نهب واسعة من لصوص الخردة الذين استخدموا الديناميت حتى سبعينيات القرن الماضي لسرقة المعادن، وتبرز سفينة الركاب "إس إس ميلو"، التي أُغرقت عمداً في خليج أنزاك لتكون حاجز أمواج، كشاهد حي على فوات الأوان، حيث تحولت اليوم إلى هيكل متآكل للغاية لا يمكن إنقاذه بالتقنيات الحديثة، لتقف كإنذار صارخ بضرورة حماية المواقع المتبقية قبل أن تتحول إلى ركام منسي.