تحية العلم ليست مجرد وقوف لدقائق في بداية اليوم الدراسي، وإنما هي لحظة يتعلم فيها الإنسان منذ صغره معنى الانتماء إلى الأرض التي يعيش عليها، والوطن الذي يجمعه بغيره من أبناء المجتمع، ولذلك كان غرس هذا المعنى في نفوس الأطفال والشباب من أهم صور التربية؛ لأن الإنسان كلما كبر ونضج وأدرك قيمة ما حوله عرف أن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه، وإنما مسؤولية نحافظ عليها ونعمل من أجلها ونحترم قوانينها ومقدراتها ونقدر تضحيات أبنائها، وقد جاء الإسلام بمعانٍ تؤكد هذا الجانب الإنساني الأصيل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغادر مكة: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ»، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح، وفي هذا الحديث معنى واضح لمحبة الإنسان لوطنه وتعلقه بأرضه، وهي محبة لا تتعارض مع الدين، بل حين تتحول إلى مسؤولية وعمل وإخلاص تصبح من المعاني التي يحتاج إليها المجتمع في بناء أجياله، ولهذا فإن وقوف الطالب أمام علم بلاده، وتحيته، ومعرفته بما يمثله من وطن وتاريخ وتضحيات، ليس أمرًا شكليًا، وإنما ممارسة تربوية تساعد على تكوين إنسان يعرف هويته، ويعتز بوطنه، ويدرك أن الانتماء الحقيقي يظهر في السلوك والعمل قبل أن يظهر في الكلمات.
وقد أحسن الأزهر الشريف حين جعل من هذه الفكرة ممارسة عملية في المعاهد الأزهرية، من خلال توحيد صيغة تحية العلم في جميع المعاهد، لتصل الرسالة نفسها إلى أبنائه في كل مكان، فيكون العلم المصري حاضرًا أمامهم بصورة تليق بمكانته، وتكون تحيته مناسبة تربوية يتجدد معها معنى الانتماء والاعتزاز بالوطن والمسؤولية تجاهه، ولا سيما في زمن شهد محاولات لخلط الدين بالانتماءات الحزبية والتنظيمية، حتى احتاج أبناؤنا إلى خطاب واضح يفرق بين الدين الذي يجمع ولا يختزل في جماعة، وبين التنظيمات والانتماءات الضيقة التي لا يجوز أن تحل محل الوطن في وجدان الإنسان؛ فالوطن يتسع للجميع، واختلاف الناس في آرائهم واجتهاداتهم لا يلغي اجتماعهم على أرض واحدة ومصير واحد ومسؤولية واحدة، ومن هنا تأتي قيمة تحية العلم في المعهد الأزهري وفي المدرسة وفي كل مؤسسة تعليمية؛ لأنها تربي الطالب على أن مصر وطنه، وأن علمها رمز يجتمع حوله أبناؤها، وأن احترام هذا الرمز ليس مجرد عادة صباحية، وإنما جزء من تربية جيل يعرف قيمة وطنه، ويحترم مؤسساته، ويقدر تضحيات أبنائه، ويؤمن بأن حب الوطن لا يكتمل إلا بالعلم والعمل والإتقان والعطاء، وتلك هي الوطنية التي نحتاج إلى أن نغرسها في أبنائنا: وطنية هادئة، واعية، لا تعادي أحدًا ولا تنتمي إلى جماعة، وإنما تنتمي إلى وطن وتعمل من أجله.
فاللهم احفظ مصر وأهلها، وأدم عليها الأمن والأمان، وبارك في أرضها وأبنائها، واجعلها دائمًا بلدًا آمنًا مطمئنًا، سخاءً رخاءً، وسائر بلاد المسلمين.