ممَّا لا جدالَ فيه أنَّ المعلِّمَ حاملُ لواءِ الميراثِ النبويِّ الشريفِ، وهو أسمى معاني التكريمِ والتعظيمِ والإجلالِ للعلمِ وأهلِهِ؛ حيثُ قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» [أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (3641)].
وهذا من أعظمِ المناقبِ لأهلِ العلمِ؛ فإنَّ الأنبياءَ خيرُ خلقِ اللهِ تعالى، فورثتُهم خيرُ الخلقِ بعدَهم. ولمَّا كانَ كلُّ موروثٍ ينتقلُ ميراثُهُ إلى ورثتِهِ؛ إذ هم الذين يقومونَ مقامَهُ من بعدِهِ، ولم يكنْ بعدَ الرسلِ مَنْ يقومُ مقامَهم في تبليغِ ما أُرسلوا به إلا العلماءُ، كانوا أحقَّ الناسِ بميراثِهم. [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن قيم الجوزية (1/66)].
وذلك لأنَّ الميراثَ ينتقلُ إلى الأقربِ، وأقربُ الأمَّةِ في نسبةِ الدينِ العلماءُ الذين أعرضوا عن الدنيا وأقبلوا على الآخرةِ، وكانوا للأمَّةِ بدلًا من الأنبياءِ، الذين فازوا بالحُسنَيينِ: العلمِ والعملِ، وحازوا الفضيلتينِ: الكمالَ والتكميلَ. [فيض القدير للمناوي (4/384)، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري (1/296)].
وقد شرَّفَ اللهُ تعالى العلماءَ والمعلِّمينَ بكثيرٍ من المنحِ والعطايا، منها: رفعُ الدرجاتِ، فقال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
ومنها: أنَّهُ قرنَ شهادتَهم بشهادتِهِ تعالى على وحدانيَّتِهِ، فقال سبحانه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18].
ومنها: استغفارُ الكائناتِ جميعًا لهم؛ فقد قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ» [أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (3641)].
ومن تمامِ إجلالِ اللهِ تعالى العلماءَ والمعلِّمينَ أنَّهُ فضَّلَهم على العابدينَ من غيرِهم؛ فقالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ» [أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (3641)].
فكأنَّ الجهلَ كالليلِ في ظلمتِهِ وجنسِهِ، والعلماءُ والعبَّادُ بمنزلةِ القمرِ والكواكبِ الطالعةِ في تلك الظلمةِ، وفضلُ نورِ العالِمِ فيها على نورِ العابدِ كفضلِ نورِ القمرِ على الكواكبِ ليلةَ الرابعِ عشرَ. وفضلُ العلماءِ العاملينَ الذين يقومونَ بنشرِ العلمِ على العُبَّادِ الغالبِ عليهم مجرَّدُ العبادةِ كفضلِ ما بينَ القمرِ والكواكبِ. [مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة لابن قيم الجوزية (1/65)، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري (1/296)].
ومن هنا حثَّنا الإسلامُ على توقيرِ العلماءِ والمعلِّمينَ، وإجلالِهم، وإكرامِهم، وإنزالِهم منازلَهم اللائقةَ بهم؛ فقالَ صلى اللهُ عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ حَامِلِ الْقُرْآنِ، غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَلَا الْجَافِي عَنْهُ» [أخرجه أبو داود في سننه، حديث رقم (4843)].
قالَ ابنُ بطَّالٍ في شرحِ صحيحِ البخاري (1/196): «الإنصاتُ للعلماءِ، والتوقيرُ لهم، لازمٌ للمتعلِّمينَ؛ لأنَّ العلماءَ ورثةُ الأنبياءِ، وقد أمرَ اللهُ عبادَهُ المؤمنينَ ألَّا يرفعوا أصواتَهم فوقَ صوتِ النبيِّ صلى اللهُ عليه وسلم، ولا يجهروا له بالقولِ؛ خوفَ حبوطِ أعمالِهم».
هذا، واللهُ المستعانُ، وعليهِ التكلان.