نعيمة عاكف.. نجمة رحلت مبكرًا وعاشت ألف عام.. طفلة السيرك عرفت الجوع ووصلت للعالمية.. صاحبة أول طلاق أمام الكاميرات حاورت وزير الأوقاف.. نوت الحج والاعتزال فى الأربعين.. وهكذا أجابت عن مصيرها بعد الموت

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 08:27 م
نعيمة عاكف.. نجمة رحلت مبكرًا وعاشت ألف عام.. طفلة السيرك عرفت الجوع ووصلت للعالمية.. صاحبة أول طلاق أمام الكاميرات حاورت وزير الأوقاف.. نوت الحج والاعتزال فى الأربعين.. وهكذا أجابت عن مصيرها بعد الموت نعيمة عاكف

زينب عبداللاه

تمر اليوم ذكرى ميلاد لهاليبو الفن، التمر حنة الجميلة نعيمة عاكف التي ولدت في مثل هذا اليوم الموافق 7 أكتوبر عام 1929 لتكون إحدى أساطير الفن والاستعراض، ليس في مصر فقط ولكن في العالم، حيث فازت فى عام 1958 بلقب أحسن راقصة فى العالم من مهرجان الشباب العالمى بموسكو من بين 50 دولة مشاركة، وقدمت عدداً من أنجح الأفلام السينمائية.


وبالرغم من أن «لهاليبو» الفن رحلت في 23 أبريل 1966، وهي لم تكمل عامها السابع والثلاثين، لكنها تركت وراءها حياة مليئة بالأحداث والأحزان والفن والإبداع، وتركت بصمة وتأثيراً وكأنها عاشت ألف عام. 

 

كانت طفلة السيرك التي عرفت الجوع والحرمان، والراقصة التي رفضت أن تبيع كرامتها، والنجمة التي أصبحت من أشهر فنانات السينما، والفنانة المصرية التي وصلت إلى العالمية وفازت بلقب أحسن راقصة في العالم، والزوجة التي انتهى زواجها أمام عدسات المصورين، والأم التي لم تهنأ طويلًا بابنها الوحيد، والإنسانة التي احتفظت بعلاقتها بربها بعيدًا عن الكاميرات.

 

ولعل أكثر ما يلفت في حكاية نعيمة عاكف أن حياتها لم تكن تشبه ابتسامتها على الشاشة.

 

بداية سيرك عاكف

بدأت حكاية عائلة عاكف مع السيرك بسبب الجد إسماعيل عاكف، الذي كان يعمل مدرسًا للألعاب الرياضية بمدرسة أم المصريين.

 

كان الجد شديد الولع بألعاب الأكروبات، ويمارسها في البيت، حتى جاء سيرك إيطالي إلى مصر وشاهد عروضه، ثم شاهد سيركًا ألمانيًا، فازداد إعجابه بهذا العالم.

 

اتخذ إسماعيل عاكف قرارًا غريبًا في ذلك الوقت؛ استقال من عمله، رغم اعتراضات زوجته، ودرب أبناءه على الأكروبات.

 

وخلال ثلاثة أشهر تكونت فرقة «أولاد عاكف»، واستغل مكافأة نهاية الخدمة في إنشاء سيرك حقق نجاحًا في الأماكن التي انتقل إليها.

 

وفي هذا السيرك ولدت نعيمة عام 1929، وكانت الابنة الرابعة بعد ثلاث شقيقات، وكان والدها يتمنى أن يكون المولود ولدًا.

 

لكن الطفلة التي لم يكن مولدها مصدر الفرحة التي كان ينتظرها الأب، أصبحت فيما بعد واحدة من أشهر نجمات الفن المصري.

 

معاناة طفولة

لم تعش نعيمة عاكف طفلة السيرك طفولة مستقرة، حيث كانت الأسرة تنتقل من مكان إلى آخر، فعاشت نعيمة في عالم مختلف تمامًا عن البيوت العادية، وتدربت على الأكروبات منذ أن كان عمرها أربع سنوات، وسرعان ما تفوقت على شقيقاتها وأصبحت بطلة في سيرك والده، .لكن كل شيء انهار عندما تعرض والدها للإفلاس ورهن السيرك.

 

انفصلت الأم عن الأب وانتقلت إلى القاهرة مع بناتها، وهناك بدأت مرحلة أكثر قسوة، رفضت الأم أن تعمل بناتها في الصالات التي شعرت أنها تريد استغلالهن بطريقة تمس كرامتهن، فبدأت الفتيات الأربع يقدمن عروضًا في الشوارع حتى يجدن ما يسد جوعه، وفي أحد الأيام شاهدهن علي الكسار، فضم نعيمة إلى فرقته.

 

كانت تلك الخطوة بداية مشوار نعيمة إلى عالم الفن، ثم استعانت بها بديعة مصابني، وشاهدها عدد من المخرجين، فظهرت عام 1948 في فيلمي «حب لا يموت» و«آه يا حرامي»، ثم ظهرت كراقصة في «ست البيت» عام 1949.

 

لكن الانطلاقة الحقيقية جاءت مع فيلم «العيش والملح»، بعدما أعجب بها المخرج حسين فوزى، ومن هنا بدأت قصة نجمة جديدة.

 

الشهرة والزواج

تعاونت نعيمة مع حسين فوزي في عدد كبير من الأفلام، وتزوجته عام 1953.

 

وقدما معًا ما يقرب من 15 فيلمًا، من بينها «بلدي وخفة»، و«بابا عريس»، و«فتاة السيرك»، و«جنة ونار»، و«تمر حنة»، و«يا حلاوة الحب»، و«أحبك يا حسن".


وأصبحت نعيمة واحدة من أشهر نجمات الاستعراض والسينما، لكن حياتها الخاصة لم تكن بنفس البهجة التي عرفها الجمهور على الشاشة.

 

عانت التمر حنة من غيرة حسين فوزى الشديدة، ووصلت الخلافات بينهما إلى حد منعها من العمل مع مخرجين ومنتجين آخرين.

 

ويروي الكاتب الصحفي محمد بديع سربية أن الغيرة كانت تصل إلى غضبه من ضحكتها على نكتة يقولها أحد زملائها أو حديثها مع فنان آخر.

 

وفي إحدى السهرات في بيروت، كان أنور وجدي يجلس إلى جوار نعيمة، وقال نكتة فضحكت، فالتقط أحد الصحفيين صورًا لهما، وأثار الأمر غضب حسين فوزى، وذهب إلى الصحفي وانتزع منه الفيلم الذي صوره، لكن صورة واحدة بقيت، وقام بتعنيف نعيمة حتى الضرب، وبعدها أصرت على الطلاق.

 

طلاق أمام الكاميرات

وفي أغسطس عام 1958 سجلت مجلة الكواكب لحظة طلاق نعيمة عاكف وحسين فوزي، وكان هذا أول طلاق تسجله عدسات المصورين بهذه الطريقة.

 

ذهب الزوجان إلى مكتب المحامي يوسف كامل عبد العزيز، وحضر المأذون لإتمام الإجراءات، وكان محرر الكواكب حسين عثمان موجودًا ليسجل المشهد، بعد انتهاء الإجراءات، مد المأذون يده بنسختي ورقة الطلاق، لكن نعيمة لم تستطع أن تمد يدها.

 

تقول الكواكب إن الدموع سالت من عينيها، فاتجهت بنظرها إلى المحامى ليستلم الورقة نيابة عنها، ثم قامت لتغادر، وسلمت على الجميع، وعندما سلمت على حسين فوزي شدت على يده وقالت له: "أتمنى لك كل توفيق يا حسين وربنا معاك ومعايا".

 

كان حسين صامتًا لا يقوى على الكلام، ثم طلب من مساعده أن يوصلها بسيارته إلى منزلها.

 

وبعد الطلاق تزوجت نعيمة من المحاسب صلاح عبد العليم، وأنجبت ابنها الوحيد محمد.

 

أحسن راقصة في العالم

لم يكن نجاح نعيمة عاكف محليًا فقط، ففي عام 1958 شاركت في مهرجان الشباب العالمي في موسكو، الذي شاركت فيه نحو خمسين دولة، وحصلت على لقب أحسن راقصة في العالم، و صنعت لنفسها مكانة خاصة في السينما المصرية، ليس فقط بسبب الرقص والاستعراض، وإنما بسبب خفة ظلها وقدرتها على التمثيل وحضورها المختلف.

 

واللافت أنها لم تتوقف عند حدود موهبتها الطبيعية، فقد فاتتها فرصة التعليم في طفولتها بسبب ظروفها الصعبة، لكنها استعانت بمدرسين لتتعلم العربية والإنجليزية والفرنسية، وكأن الطفلة التي حُرمت من أشياء كثيرة قررت عندما كبرت أن تعوض نفسها بنفسها.

 

نجمة تناقش وزير الأوقاف

ومن الحكايات التي تكشف جانبًا مختلفًا من شخصية نعيمة، مشاركتها عام 1957 في لقاء نظمته مجلة الكواكب مع الشيخ أحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف وقتها.

 

ذهب إلى اللقاء عدد من الفنانين، بينهم نعيمة عاكف وكمال الشناوي وعماد حمدي والمخرج حسين فوزى، إضافة إلى حسن رمزي رئيس غرفة صناعة السينما.

 

كان الحوار يدور حول الفن والدين والسينما، وطرح الوزير رؤيته لما تقدمه الأفلام، وانتقد بعض الأعمال التي يرى أنها تعتمد على الحشو والتهريج والخلاعة، بينما تحدث عن أهمية الفن في خدمة المجتمع.

 

وخلال اللقاء سألت نعيمة الوزير عن أول مرة ذهب فيها إلى السينما، فقال إنها كانت عام 1938، وسألته عن رأيه في فيلم «ظهور الإسلام»، فقال إنه لم يعجبه بسبب ما غلب عليه من طابع التهريج ، ثم وجهت له سؤالًا أكثر خصوصية: هل يسمح لبناته بالذهاب إلى السينما؟، فأجابها :"طبعًا.. بشرط اختيار الفيلم المناسب".

 

وكشف هذا اللقاء أن علاقة نجوم ذلك الزمن بالثقافة والمجتمع لم تكن محصورة في الاستعراض والشهرة، بل كانت هناك مساحات للنقاش والحوار مع رجال الفكر والدين.

 

كانت تخطط للحج والاعتزال

في عام 1953، كانت نعيمة في الثانية والعشرين من عمرها وفي قمة نجوميتها، وأجرت معها مجلة الفن حوارًا طويلاً.

 

كان الصحفي قد أعد عشرة أسئلة محرجة، لكنه نسيها أثناء الحوار، فانطلق يسألها في كل شيء، حتى تجاوزت أسئلته الخمسين سؤالاً، ومن بين الأسئلة التى وجهها إليها:هل تعتقدين أن مصيرك سيكون الجنة أم النار؟.

 

فأجابت نعيمة ببساطة: "إذا كانت الأعمال بالنيات سأدخل الجنة حتمًا".

 

ثم سألها إن كانت تنوي الحج، فقالت إنها تتمنى أن تتمكن من الحج عندما تبلغ الأربعين، وأنها ستعتزل العمل وقتها، ولم تكن نعيمة تعرف أنها لن تصل إلى الأربعين.


ولم يكن هذا التصريح الوحيد الذي يكشف علاقتها بالدين.

 

علاقتها بربها لم تكن للكاميرات

لم تكن نعيمة تتحدث كثيرًا عن علاقتها بالله، بل كانت ترفض أن تجعلها مادة للصحافة.

 

وفي إحدى المرات حاول أحد المصورين التقاط صورة لها أثناء الصلاة، فرفضت وقالت إن الصلاة علاقة بينها وبين ربها، ولا يجب أن تتاجر بها أو تكون محلًا للنشر.

 

لكن المقربين منها كانوا يعرفون جانبًا آخر من حياتها، فكانت تحرص على الصيام منذ طفولتها، وقالت في حوار لمجلة الكواكب إنها بدأت الصيام وهي في الثامنة من عمرها، وكان والدها يكافئ كل ابنة تصوم رمضان بعشرين قرشًا.

 

وفي إحدى المرات كانت تشارك في تصوير فيلم خلال رمضان، وطلب منها المخرج أن تفطر حتى تستطيع العمل، لكنها رفضت وأصرت على الصيام وطلبت تأجيل التصوير، كما كانت تحرص على زيارة مساجد الأولياء الصالحين، وخاصة السيدة نفيسة.

 

النهاية الحزينة

في عام 1963، وأثناء مشاركتها في فيلمي «أمير الدهاء» و«بياعة الجرايد»، شعرت نعيمة بالإعياء، واكتشفت إصابتها بسرطان المعدة، ورغم المرض خرجت من المستشفى لتستكمل العمل في الفيلمين، لكن المرض كان أقوى.

 

عاشت نعيمة بعدها نحو عامين مع المرض، بينما كان ابنها محمد لا يزال طفلًا صغيرًا لم يتجاوز الرابعة.

 

وفي 23 أبريل 1966، رحلت نعيمة عاكف، وهي لم تكمل عامها السابع والثلاثين.

 

وتحكي الروايات المتداولة عن أيامها الأخيرة أن آخر ما نطقت به كان اسم ابنها «محمد».

 

وهكذا انتهت حياة امرأة بدأت من السيرك، وعرفت الجوع، ووقفت في الشارع بحثًا عن لقمة العيش، ثم أصبحت نجمة عالمية.

 

ضحكت نعيمة كثيرًا أمام الجمهور، بينما أخفت خلف ضحكتها سنوات من الشقاء.

 

عاشت الشهرة، والحب، والغيرة، والطلاق، والأمومة، والمرض، والحلم بالاعتزال والحج.

 

37 عامًا فقط كانت كافية لأن تعيش فيها نعيمة عاكف أكثر من حياة، وتترك خلفها صورة لا تزال حاضرة حتى الآن،  فنانة أمتعت الناس بالبهجة، واحتفظت بآلامها لنفسها، وماتت شابة، لكنها عاشت ألف عام.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة