من أفلاطون إلى دونيلى.. كيف صنع كتاب عمره 144 عامًا أسطورة أطلنطس؟

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 02:30 ص
من أفلاطون إلى دونيلى.. كيف صنع كتاب عمره 144 عامًا أسطورة أطلنطس؟

هبة الشافعى

منذ أن كتب أفلاطون عن أطلنطس قبل نحو 2400 عام، ظلت الجزيرة المفقودة واحدة من أكثر الأساطير إثارة للخيال، لكن الصورة التي يعرفها العالم عنها اليوم لم يصنعها أفلاطون وحده، ففي عام 1882، ظهر كتاب أعاد تقديم أطلنطس باعتبارها حضارة حقيقية، وكان له تأثير عميق في الطريقة التي ينظر بها الجمهور، وحتى بعض الباحثين إلى الأسطورة.

الكتاب هو "Atlantis: The Antediluvian World" للمؤلف إيجناسيوس ل. دونيلي، الذي تعامل مع رواية أفلاطون باعتبارها وصفًا حقيقيًا لحضارة وجزيرة ضخمة كانت موجودة في المحيط الأطلسي قبل الحضارات المعروفة.

 

أطلنطس قبل 9600 عام

استند دونيلي إلى رواية أفلاطون التي تقول إن أطلنطس كانت موجودة قبل زمن المشرع اليوناني سولون بنحو 9 آلاف عام، وهو ما يضع وجودها، وفق هذه الرواية، في حدود عام 9600 قبل الميلاد.

ولم يعتبر دونيلي هذه الأرقام مبالغًا فيها، بل أخذها كما وردت تقريبًا، كما تعامل مع الوصف الجغرافي لأفلاطون باعتباره دقيقًا إلى حد كبير، وفسر "أعمدة هرقل" التي وردت في الرواية باعتبارها مضيق جبل طارق، ومن ثم وضع أطلنطس خارج البحر المتوسط، في قلب المحيط الأطلسي.

لكن بالنسبة لدونيلي، لم تكن الجزيرة المفقودة مجرد حضارة غامضة اختفت في الماضي، بل كانت مفتاحًا لفهم جزء كبير من تاريخ العالم.

 

الحضارة التي انتشرت من المحيط الأطلسي

اعتقد دونيلي أن أطلنطس كانت موطن أول حضارة متقدمة، وأن الشعوب انتشرت منها إلى مناطق مختلفة.

ورأى أن موقع الجزيرة في المحيط الأطلسي جعلها نقطة مثالية يمكن أن تكون منها الأساطير والعادات قد انتقلت إلى جانبي المحيط، كما اعتقد أن المصريين كانوا من أكثر الشعوب حفاظًا على التقاليد الدينية الأصلية لأطلنطس.

وفي إطار هذه الرؤية، تبنى دونيلي ما يعرف باسم "الانتشارية الفائقة"، وهي فكرة تفترض أن المفاهيم الثقافية الكبرى في أنحاء العالم نشأت من مصدر مركزي واحد.

 

من أساطير الطوفان إلى عبادة الشمس

بحث دونيلي عن أدلة تدعم هذه الفكرة في تشابه المعتقدات بين شعوب بعيدة عن بعضها.

ومن أبرز الأمثلة التي استخدمها انتشار قصص الطوفان العظيم في ثقافات مختلفة، فاليونانيون على سبيل المثال، عرفوا أسطورة طوفان ديوكاليون. ووفق تفسير دونيلي، كانت هذه القصص بقايا لذكريات حملها الناجون من دمار أتلانتس إلى جانبي المحيط الأطلسي.

 

لماذا تراجع الكتاب؟

على الرغم من تأثير كتاب دونيلي الكبير، تغيرت النظرة الأكاديمية إليه مع مرور الوقت، وأصبح يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره عملًا زائفًا من الناحيتين التاريخية والعلمية.

وتعرضت فكرة "الانتشارية الفائقة" لانتقادات، بعدما رأى باحثون أن الثقافات المختلفة يمكن أن تطور تقاليد وأساطير متشابهة بصورة مستقلة، من دون الحاجة إلى افتراض مصدر واحد مشترك.

كما تبين أن عددًا من استدلالات دونيلي غير دقيق. ومن الأمثلة التي يوردها النص ما يتعلق بجزر الأزور، إذ أظهرت الدراسات الحديثة أن الأرض المحيطة بها تنخفض إلى هضبة تقع على عمق نحو ألف متر تحت مستوى سطح البحر، كما توجد بها شواطئ مرتفعة تشير إلى أنها كانت في الماضي أقرب إلى مستوى سطح البحر، وليس أعلى منه كما افترض دونيلي.

وتعرضت أفكار دونيلي المتعلقة بالشعوب والأعراق المنحدرة من الأطلنطيين لانتقادات حديثة أيضًا، بسبب ما اعتبره معلقون ترويجًا لأفكار التفوق العرقي.

ومع ذلك، لم يختفِ الكتاب من الذاكرة الثقافية، فحتى مع رفض كثير من استنتاجاته، ظل "Atlantis: The Antediluvian World" أحد الأعمال التي أسهمت بقوة في تحويل أتلانتس من قصة أفلاطونية قديمة إلى صورة حديثة عن حضارة غارقة في المحيط الأطلسي، وهي الصورة التي لا تزال حاضرة في الخيال الشعبي حتى اليوم.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة