حازم حسين

طوفان يُطفئ شمعته الثالثة

الأربعاء، 07 أكتوبر 2026 02:00 م


جُبِلَ الذئبُ على أن يفترس، ويكون مُطارِدًا؛ إنما لم يُغرَس فى وعى الحملان أن تكون طرائد. مُجرّد ضعفٍ؛ فاستكانة؛ فخبرات لم تُنقَل بين القطعان، لتترسخ طبيعة النوع كما نعرفها.

أمّا البشر؛ فميزتهم العقل، وبُرهانه الذاكرة، واستيعاب الدروس ومُراكمة الخبرات. وكلها غابت للأسف، بكل الصور والدرجات، عن مُقامرة حماس بقطاع غزة كاملاً قبل ثلاث سنوات.

إنه الطوفان؛ إذ يرتدّ على أصحابه فيُغرقهم، ويُمكّن القاتل من رقابهم، ويُحوّل مواجعهم إلى وجبة عاطفية يلتهمها العالم، وملفٍّ تتخطّفه أيدى التجار والطامعين، فيما يُكابر الغبىّ فى الاعتراف والاعتذار، والندم على أنه أورد البلاد والعباد موارد التهلكة.

منذ استبدّ فرع الإخوان بالشريط الضيق فى أقصى جنوب فلسطين، ابتدَع أو استُدرج لأربعة حروب مع إسرائيل، خسرها جميعًا، ورتّب على الناس تكاليف باهظة، وسار بهم من سيئ إلى أسوأ.

ومَن هُزِمَ فى رقصةٍ مع الوحش؛ لا حكمة فى أن يدعوه إلى القتال. وطالما أنك عاجز عن قتل العدوّ؛ فلا تجرحه أو تستفزه. إمّا أن تحتويه أو تتجنّبه؛ على قدر طاقتك فى كل حالٍ.

وإذ أقول إن الطبيعى من إسرائيل أن تقتل وتبيد؛ لأنها اختُرِعَت غصبًا، وأُنشئت على دمٍ وجثامين، وتعيش على حدِّ السكّين من يومها؛ فلا أُبرّر جرائم الجانى، بقدر اللوم على فئة من الضحايا.

ويذهب الكلام صريحًا إلى الفصائل الأُصوليّة، بالعمامة الشيعيّة، والرأس الحماسية فى حالة غزة، ومَن تحلّقوا حولها من ميليشياتٍ رديفة، إذ يُقرّرون أن ينتحروا بغباء، ويُقدّمون آلاف الأبرياء قرابين، أو ينحرونهم على مذبح الأيديولوجيا والتحالفات «فوق الوطنية» المشبوهة.

مُدوّنة القضية مُترعة بالأسى، وسلسلة النضال كُلها خطايا. لعلّ أخطرها التخاذُل فى المبتدأ، والفوضى وعدم التنظيم فى زمن النكبة؛ ثم الاستتباع والتورّط فى صراعات الآخرين لاحقا، كما كان فى زمن البعث وأيلول الأسود وجبهة الصمود والتصدّى.

والنزاع مفتوح على المقاومة من لبنان؛ فمُغادرتها. ومرحلة تونس، وتحول منظمة التحرير إلى السياسة، وكثيرون يرون اتفاق أوسلو كارثة؛ بالرغم من أنه أعاد القضية لبيئتها بين النهر والبحر، وغرس سارية تصلح لأن يُعلّق عليها العَلَم.

خلافات لا أول لها ولا آخر، وتلك طبائع المآسى الكبرى، والقضايا العادلة عندما تسقط فى فخ الأزمنة الظالمة. غير أن الخطيّة الكبرى فى زمننا الراهن معروفة، ولا خلاف عليها، وتتحدّد حصرًا بانقلاب الحركة على الشعب/ الإخوان على الأخوّة، وبعض فلسطين على كلّها.

كان اقتطاع غزّة من بدن الدولة الضائعة كارثة، والاستبداد بها أكبر، وثالثة الأسافى تنصيب يحيى السنوار على رأسها، تعويضا عن سنوات سجنه، وانحرافًا بالإدارة من الرُّشد النسبى، إلى مرحلة الجنوب الكامل.

أدار الرجل جهاز «مجد» الأمنى، وكانت مهامه ذات طابع استخبارى عقابى، وقد تورّط فى دماء غزّيين كُثر، بزعم أنهم عملاء للصهاينة. المُهمّ أنه حُوكِم عن ذاك، وتلك مُفارقة أن تقتصّ إسرائيل لفلسطينيين قُتِلوا دون مُحاكمة؛ إنما ليست تلك النقطة موضوعنا الآن.

الفكرة؛ أنه شخص عنيف، يستسهل صناعة الموت، وقضى قرابة نصف عُمره وراء قضبان المُحتل؛ حتى رخصت لديه الحياة، وصار مُستقبله أمامه، وما عاد يُحسِن السياسة، على معنى التعقُّل والنظر فى المآلات والمقاصد، وإعلاء المصلحة، ووضع العام فوق الخاص.

حدث العكس تمامًا للأسف؛ قدّم السنوار ثأره الشخصى على ثارات المجموع، وعلى أولوياتهم وشواغلهم، وما يتيسّر لهم أو يستحيل عليهم، والأخطر بينهما ما يظنّون فى أنفسهم المقدرة عليه، ويكمن الشيطان فى تفاصيله الغامضة.

فُتِن الحماسيون بالسُلطة، واكتفوا بالقليل عن الكثير. غزة أقل من 2 % من مساحة فلسطين، أو 5 % من نصيب الفلسطينيين بقرار التقسيم؛ غير أن الطامعين اعتبروها دولةً، وأداروا علاقتهم مع الجارة العبرية، على أن يكونوا شوكة فى خاصرة الضفّة.

تقوّت الحركة تحت مظلّة إسرائيل، تحت سمع قادتها وأبصارهم، وبدعمٍ مُباشر من نتنياهو شخصيًّا، وقد حُكِىَ عنه ما يُفيد بأنه يستثمر فيهم، ويعتبرهم ذُخرًا استراتيجيا لدولته المُجرمة.

توسّط لنقل قادتهم من دمشق لعاصمة بديلةٍ بعد الربيع العربى، وحينما انقلبوا على الأسد لمنافع وأغراض أيديولوجية، ووسّط الأمريكيين لدى العاصمة نفسها لدعمهم ماليًّا، وكان يُمرّر حقائب الدولارات من مطاراته شهريا.

الأغبياء فقط، وربما المغُرضون أيضًا؛ تعاموا عن أن «الحداية ما بتحدّفش كتاكيت»، كما يقول المثل المصرى، ودعم تيّار من القوى الفلسطينية؛ إنما يُوجّه لإضعاف فلسطين نفسها، والتناوب على بقية التيارات لاحقًا.

كُلّما زادت قوة المُختل فى غزّة، تعزّزت سرديّة المُحتل عن الخطر، وعن حزام النار الذى يُخيف بيه قواعده، ويستميل به داعميه الخارجيين.
يزداد الانقسام، تضعف السلطة الوطنية، تخرج القضية من اهتمام العالم، وتتوافر الذرائع اللازمة لعمليات «جزّ العشب»، ولاختراع ما هو أكبر حسب الحاجة، وفى اللحظة المناسبة لتل أبيب.

باختصار؛ كانت قوّة حماس ضعفًا لفلسطين كلها. أوّلا لأن الحركة استأسدت على الباقين، وسوّغت للصهاينة الاستئساد على الجميع بعدها.
وعندما فُتِنَت بقدرتها أطلقت «طوفان الأقصى»؛ فقدمت الهدية الأثمن لليمين المتطرف فى إسرائيل، واستجلبت لشعبها نكبة أضعاف نكبتهم الأولى.
أى أنها كلما كانت تُراكم مزيدًا من أسباب القوّة، كانت كأنها تخصم المثل من رصيد المجموع الوطنى، وتضيفه إلى العدو المشترك.
والحالة تلك، تُجبرنا على إعادة تعريف المقاومة، من منظور وطنى لا فصائلى؛ إذ ليس شرطا أن تكون كلّ رصاصة إضافة للإمكانات الإجمالية؛ بل أحيانًا تُذخّر بندقية القاتل، وتكون عبئًا على صاحبها/ القتيل.

وإن تغاضينا عن المُتاجرة بالدين، وخطايا تديين القضية الإنسانية العادلة؛ فالجماعة الربّانية يُفترَض أن تتحرّك فى ضوء الضوابط الشرعية، وأعلاها المقاصد الخمس.. والنفس والعقل والنسل مُقدّمةٌ فيها على المال!
وإلى الآن؛ فإنها لم تشرح لماذا أقدمت على ما فعلت. وإن كان ضروريًّا فلماذا تجنّبته لعقدين سابقين. لماذا انشقّت بالقطاع، ومن أين أخذته وإلى أين وصلت به. وبالطبع لم تُقرّ بالخطأ، ولم تعتذر، وما بدأت مرحلة المراجعة من الأساس.

مثلها كالحزب فى لبنان، وقد جرّ البلد من خناقه إلى المأساة قهرًا، وبإرادة فردية مُملاة عليه من طهران مباشرة. وكالحوثيين وقاد دخلوا لعبة أكبر من اليمن، ويجرون بشباشبهم البالية ليُعزّزوا أوراق المشروع الفارسى وحرس ثورته البائسة.
ضاق السنوار بالحياة؛ فقرر أن يموت فى حفلٍ مهيب. وأن يُخلّد وداعه رحيله بآلاف القرابين البشرية، ويمنح نتنياهو والصهاينة فرصة ذهبية لهَدم المنطقة وإعادة بنائها، وفى الحد الأدنى إعادتها عقودًا للوراء.

مرّت ثلاث سنوات، ونحو سنتين منذ مقتل صاحب القرار. تشبّعت الأرض بالدم، وفقدت مائة ألفٍ أو يزيد، ولا يُعرَف متى تتعافى، وفلسطين أسوأ كثيرا ممّا كانت عليه.
الفلسطينيون مُقيمون فى المأساة، والأُصوليّون يُزيّفون النصر، وتل أبيب وحدها تعرف أن تسعة أعشار رزقها فى الإخوان والرجعية الدينية، والغالب أنها ستحرص على أن يظلوا شركاء لها فى المأساة؛ ولو من الصفوف الخلفية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة