فجّرت مزاعم تعرض طالبة سابقة في جامعة كورنيل الأمريكية المرموقة لاغتصاب جماعي في عام 2024 سلسلة من النقاشات، ليس فقط حول تفاصيل القضية نفسها، وإنما لتسليطها الضوء على أزمة تعاطي المخدرات داخل الجامعات، والاعتداءات الجنسية، والتي تخضع لتدقيق من الكونجرس وسط مطالب بتدخلات تشريعية لحماية النساء. يأتي هذا في الوقت الذي تتكشف فيه أبعاد جديدة للقضية بعد مرور عامين على أحداثها.
ماذا حدث فى قضية جامعة كورنيل؟
عادت القضية للواجهة في أواخر الشهر الماضي، بعد أن أقامت الطالبة السابقة التي عُرفت باسم جين دو دعوى قضائية جديدة لإعادة التحقيق في تناوب سبعة من الطلاب على اغتصابها وهم تحت تأثير الكحول والمخدرات.
وبحسب الادعاءات الواردة في القضية، لم يكتفِ المتهمون بذلك، بل دعوا أعضاء آخرين في أخوية «تشي فاي» (أشبه بالأسر الطلابية) عبر محادثة جماعية إلى المشاركة في الاعتداء، وقد أُرفقت بالدعوى صورة لرسالة جماعية على تطبيق «سناب شات» كجزء من الأدلة المقدمة.
وتصاعدت الأحداث سريعاً، وأمرت حاكمة ولاية نيويورك بتعيين مدعية خاصة للتحقيق في القضية، واستبعاد المدعي العام لمقاطعة تومبكينز، ماثيو فان هاوتن، من الإشراف عليها.
الاتهامات تلاحق جامعة كورنيل
وجددت القضية الجدل حول الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها النساء في أماكن العمل أو الدراسة بشكل عام، ناهيك عما يحدث داخل جامعة كورنيل نفسها، إذ كشف تحليل أجرته صحيفة «يو إس إيه توداي» الأمريكية لبيانات أبلغت بها كورنيل ولاية نيويورك أن أكثر من 1200 بلاغ منها يتعلق بالاعتداء الجنسي والعنف في العلاقات والملاحقة بين 2018 و2024. ووفق التحليل، رفعت الجامعة إجراءات تأديبية ضد طلاب أو موظفين متهمين في 162 حالة، وثبتت المسؤولية في 51 حالة، وانتهت 14 حالة بالإيقاف و7 فقط بالطرد أو الفصل.
احتجاجات طلابية وأزمة ثقة في إدارة جامعة كورنيل
وشهدت جامعة كورنيل يوم الاثنين، احتجاجات طلابية واسعة ضد تعامل إدارة الجامعة مع القضية، مطالبةً بالمحاسبة والإصلاح، الأمر الذي دفع أعضاء مجلس هيئة التدريس في الجامعة إلى طرح مشروع قرار لسحب الثقة من إدارة الجامعة على خلفية تعاملها مع الحادثة، بحسب ما ذكرت شبكة «سي إن إن».
وامتد الجدل الذي فجرته القضية إلى أروقة الكونجرس، حيث تزايد الحديث من قبل بعض النائبات، ولا سيما الديمقراطيات، للمطالبة بحماية الطلاب من الاعتداءات الجنسية في الجامعات.
وبحسب ما ذكر موقع «أكسيوس» في تقرير له الأحد، استخدمت قيادات التجمع الديمقراطي للنساء في مجلس النواب قضية كورنيل للمطالبة بتعزيز الحماية الفيدرالية للطلاب، بعد أن ألغت إدارة ترامب قواعد Title IX التي وضعتها إدارة بايدن وأعادت العمل بقواعد حقبة ترامب الأولى. وتحظر قواعد Title IX التمييز الجنسي داخل الجامعات والمؤسسات التعليمية التي تتلقى تمويلاً حكومياً أمريكياً. وترى النائبات الديمقراطيات أن التغييرات الأخيرة التي وضعتها إدارة ترامب تضع عقبات إضافية أمام التحقيق في شكاوى الاعتداء الجنسي.
أزمة المخدرات فى الجامعة الأمريكية
من ناحية أخرى، سلطت القضية الضوء على أزمة المخدرات في الجامعات الأمريكية. ففي ضوء ما تبين في القضية من أن الطلاب السبعة المدعى عليهم كانوا تحت تأثير مخدر الكيتامين، رصدت صحيفة «واشنطن بوست» مشكلة أوسع تتمثل في وصول الطلاب إلى مواد شديدة الخطورة ومتغيرة بسرعة، في وقت قد لا يعرف فيه الطلاب طبيعة ما يتناولونه أو ما إذا كان يحتوي على مواد أخرى خطرة. وأشار التقرير إلى أن واقعة كورنيل بدأت تتكشف في أكتوبر 2024، عندما كان أحد الطلاب قد أعرب عن قلقه من تعاطي المواد في حفلات الأخويات وطالب بإجراءات وقائية، ثم وقعت واقعة تسمم لأحد أعضاء أخوية «تشي فاي»، وفي الليلة التالية شهدت حفلة الأخوية الواقعة التي أصبحت محور الدعوى القضائية الحالية.
وقالت صحيفة «واشنطن بوست» في تقريرها إنه في حين أن تعاطي الكحول يسبب مشكلات في الجامعات منذ عقود، وتُعد الماريجوانا المخدر الأكثر شيوعاً في الحرم الجامعي، يشير الخبراء إلى أن الطلاب باتوا الآن قادرين على الحصول على مجموعة متنوعة من المخدرات الأكثر فتكاً وقوة وسرعة في التطور، دون أن يدركوا ما إذا كانت المواد التي يشترونها بطرق غير قانونية أو حتى من محطات الوقود تحتوي على مركبات خطيرة ومجهولة.
وإلى جانب الكيتامين والفنتانيل، تشمل قائمة المخدرات التي تثير قلقاً واسعاً في الجامعات هذا الفصل الدراسي الكراتوم، وهو منتج عشبي يمكن شراؤه من المتاجر في بعض الولايات، وسايكلورفين الذي يُقدَّر بأنه أقوى بنحو 10 مرات من الفنتانيل، وفقاً للصحيفة، وزيلازين وهو مهدئ بيطري. ويوضح الخبراء أن مادتي سايكلورفين وزيلازين تُضافان أحياناً إلى مخدرات أخرى دون علم المتعاطين.
ونقلت «واشنطن بوست» تحذير خبراء من أن بعض هذه المخدرات الحديثة تختلف اختلافاً جذرياً عن تلك التي كانت سائدة في الأجيال السابقة، وقالت إحداهن: «إنها قد تودي بحياتك من جرعة واحدة فقط».
وفي الوقت الذي يفترض أن تهيمن فيه قضية سياسية بالأساس على اهتمام الرأي العام الأمريكي، وهي قضية الانتخابات النصفية المقررة فى 3 نوفمبر، تحولت قضية جامعة كورنيل إلى محور الاهتمام الأول وتصدرت عناوين وسائل الإعلام لأبعادها الواسعة خارج الحرم الجامعي. ويظل مبكراً معرفة ما يمكن أن تؤول إليه هذه القضية، وما إذا كان من الممكن أن تحدث تغييراً في التعامل مع مسألتي الاعتداءات الجنسية وتعاطي المخدرات داخل الجامعات.