قد يكون موت الأب أو الأم أو أي شخص ما في حياة إنسان نقطة تحول رهيبة؛ بحيث يكون قبله غيره بعده. أذكر ذلك الفتى، كان في الثالثة عشرة من عمره عندما مات أبوه فصار شيئاً آخر غير الذي كنا نعرفه، كان آية في النشاط وحب الاطلاع، ورغم صغر سنه كان على شيء من الثقافة؛ بحيث كان يناقش ويحاور وينال تقدير الكبار قبل الصغار، فما إن مات أبوه حتى زهد في الحياة زهداً عجيباً، فلا يتكلم إلا بسخرية لاذعة ونبرة حزن في صوته، ضحكات خارجة من قلب مطعون، وهستيريا تنتابه بين الحين والآخر، وتقلبات في مزاجه بين لحظة وأخرى.
كانت فرجينيا وولف في الثالثة عشرة أيضاً عندما ماتت أمها، وسنوات قليلة حتى فقدت أختها ثم أباها، وفجعها الموت في عائلتها حتى سكن الحزن قلبها، وانتابتها حالات اكتئاب، وعاشت في عزلة ووحدة، ثم تزوجت وشقت طريقها إلى عالم الكلمة والأدب، ولم تنجب بعد زواجها نظراً لظروفها الصحية المتقلبة كما قال الأطباء. بحثت عن الأمومة والإنجاب ولكنها لم يكتب لها أن تكون أُماً، فكان أدبها المتنفس لها في التعويض وتكوين أسرٍة وعائلة، ونسج خيالها الحكايات التي تعكس لنا شعوراً خفياً افتقدته حين تتحدث عن الأمومة والأبناء في عالمها الذي وصفت فيه الأمنيات والآمال التي لم تتحقق ولم يكتب لها أن تعيشها، فكان لذلك أثر كبير في أزمتها النفسية التي تعرضت لها بين الحين والآخر، جعلتها في نهاية الأمر تنتحر تاركة ذلك العالم الذي رسمته بالكلمات وعجزت عن تحقيقه في واقعها.
نقرأ ذلك من خلال ما سطرته يداها من روايات ومن رسائل إلى أختها وزوجها. ربما كانت الهاوية التي تقف فوقها هي المنقذ لها من حياة صعبة تتجاوز الآلام فيها طاقة الإنسان، وخاصة حين يحمل عبئها أشخاص آخرون نحبهم، فيزداد الألم ويتضاعف الحزن، وتمتلئ النفس بأطنان من داخل الإنسان وخارجها، فتعيش جحيماً لا تهدأ ناره أبداً، وحين يمتد إلى الآخرين وتشعر بأنك السبب في الألم هنا تضطرب وقد تنهار، وينتابها ساعة ضعف أو ساعة الخلاص التي تستريح فيها وتريح الآخرين من أعبائها.
فغالباً ما يكون الأديب صاحب حس دقيق وشعور مرهف، يستشعر به أدق تفاصيل الألم ويراها كبيرة تنغص عليه حياته ووجوده كأنها بحر هادر لا تهدأ فيه الأمواج والأعاصير التي تقلب حاله، وفي أعماقها السحيقة حيث الظلام الدامس؛ إنها تشبهه في أشياء كثيرة فيما تحمل من تلاطم أمواجها.
ماذا بقي لها من نفسها بعد فقدان أهم ما يجعل للحياة طعماً؟ إنه يفقد بهذا الفقد أجزاءً منه كان لها ذكريات حفرتها الأيام في خاطرها ونفسها. إنها أزمات متتالية تترك كل واحدة منها أثراً عميقاً وجرحاً غائراً يظل ينزف فترة كبيرة، وبعد أن يندمل شيء منه أو يسلو قليلاً، فإن باطنه يرفض إلا أن ينعكس على الكثير من أعماله.
إنها أيام الطفولة الغضة، لها وقع في كل إنسان لا يُنسى بكل ما تحمله من عبق تظل رائحته عالقة في الأنوف والذاكرة، ويكون لها أثر على الجوارح يبقى أزماناً. تقف وحدك وعالمك القديم يملؤك، ويكون للذكرى ألم حيّ يشق بسكينه اللحم والدم حتى يدمي النفوس. إنها تنقلك كل الأشياء القديمة إلى عالم الأدب، فيكون هو المدد الذي تعتمد عليه في خلق عالم توصله بخيالها.
إنها أقامت من جدران روايتها عالمها الداخلي، عالم ولد معها وانقطع بموت من تحب، فظل هذا العالم يسكنها، يملي عليها ما تكتب، شعرت بذلك أم لم تشعر؛ فهي تبقى وتستمر في إبداعها وإنتاجها. إنها صاغت العالم الذي تريده في أدبها، وصاغت معاناتها كلمة وفناً، ورسمت بها أبطالها وشخصيات رواياتها.
كانت تتأرجح بين الهاوية والواقع، تقف هناك ثم هي تعود، حتى ما إن لم يعد هناك في قوس الصبر منزع؛ فهوت بنفسها إلى الموت.