يحيى طفل من جباليا شمال غزة، عاش تجربة غيرت ملامح طفولته وتركت على جسده أثرا يراه كلما وقف أمام المرآة، حروق بالغة أصابت فروة رأسه وأتلفت بصيلات شعره، لتتغير واحدة من أبسط التفاصيل التي اعتادها في شكله وحياته وشعره.
قبل الإصابة، لم يكن يحيى بحاجة إلى التفكير في مظهره، كان طفلا يعيش تفاصيل طفولته بصورة طبيعية، يركض ويلعب ويكبر دون أن يتخيل أن يوما سيأتي فيه ليصبح شعره وملامح رأسه جزءا من رحلة طويلة من العلاج، لكن الحرب غيرت كل شيء.
نجا يحيى، وهذه في حد ذاتها كانت نجاة من خطر كبير، إلا أن آثار ما حدث لم تنته بانتهاء لحظة الإصابة، فقد تركت الحروق أضرارا في فروة رأسه أثرت على بصيلات الشعر، وأصبح نمو الشعر مجددا أمرا يحتاج إلى تدخل طبي متخصص، وهكذا أصبح أمام رحلة جديدة، رحلة لا تتعلق فقط بعلاج الإصابة، وإنما بمحاولة استعادة جزء من صورته التي فقدها.
يحيى عوض
المرآة.. شاهد على ما تغير
بالنسبة لطفل، قد يبدو الشعر تفصيلا بسيطا، لكنه يمكن أن يصبح شيئا مهما عندما يكون مرتبطا بالشكل والثقة بالنفس والشعور بأن الحياة عادت إلى طبيعتها، كل مرة ينظر فيها إلى المرآة، يرى آثار الحروق التي مر بها، وربما تذكره ملامحه الجديدة باللحظة التي غيرت حياته، حتى في الأيام التي يحاول فيها أن يعيش بعيدا عن ذكريات الحرب.
احتياجه للعلاج لا يرتبط بالجانب الجسدي وحده، فالعلاج المتخصص وزراعة الشعر، بحسب حالته الطبية، يمكن أن يساعداه في التعامل مع آثار الإصابة واستعادة جزء من مظهره السابق، وهو ما قد يمنحه دفعة نفسية تساعده على استعادة ثقته بنفسه.
يحيى لا يريد أن تكون الإصابة هي الشيء الوحيد الذي يعرفه أمام الآخرين، هو طفل يريد أن يُرى كما هو، لا باعتباره مجرد ناج من الحرب، ولا باعتباره صاحب إصابة، وإنما باعتباره طفلا له أحلامه وأيامه وحقه في أن يشعر بأنه يشبه أقرانه.
حروق في جسد يحيى عوض
طفولة تغيرت ملامحها
الحروب لا تترك آثارها في الأماكن فقط، بل تتركها أيضا على أجساد الأطفال وذاكرتهم وحياتهم اليومية، فيحيى واحد من الأطفال الذين نجا جسدهم، لكن الإصابة حملت معها آثارا تستمر لفترة طويلة، فالحروق التي أصابت فروة رأسه لم تتوقف آثارها عند الألم الذي صاحب الإصابة، وإنما امتدت إلى مظهره وإحساسه بذاته.
ومع كل خطوة في رحلة العلاج، يحاول استعادة شيء من الحياة التي كان يعيشها قبل أن تتغير ملامحه، فقد تبدو زراعة الشعر بالنسبة إلى البعض مجرد إجراء لتحسين المظهر، لكنها بالنسبة إلى طفل مثل يحيى يمكن أن تحمل معنى مختلفا، إنها محاولة لاستعادة جزء من ملامح الطفولة، وإزالة بعض آثار تجربة قاسية تركت أثرها في جسده، ومنحه فرصة للنظر إلى المرآة دون أن يرى فيها فقط آثار ما حدث.
يحيى يريد أن يُسمع صوته
وراء إصابة يحيى قصة طفل نجا، لكنه يحتاج الآن إلى من يساعده على مواصلة طريق التعافي، هو لا يطلب أن تُمحى ذاكرته، ولا يمكن لأي علاج أن يمحو ما عاشه، لكنه يحتاج إلى فرصة للحصول على الرعاية المتخصصة التي تناسب حالته، وإلى دعم يساعده على التعامل مع آثار الإصابة الجسدية والنفسية.
ربما يكون أصعب ما في تجربة يحيى أن الحرب لم تأخذ منه شيئا ماديا فقط، وإنما غيرت صورته عن نفسه، ومع ذلك، لا ينبغي أن تختصر حياته في الإصابة، فخلف فروة الرأس التي تحمل آثار الحروق، هناك طفل يريد أن يكبر، أن يلعب، أن يتعلم، وينظر إلى المرآة ويرى نفسه من جديد.
يحيى عوض نجا من الموت، والآن تبدأ بالنسبة إليه معركة أخرى؛ معركة استعادة ما يمكن استعادته من ملامحه وثقته بنفسه وطفولته، إنها ليست مجرد قصة شعر فقد القدرة على النمو، وإنما قصة طفل يحاول أن يستعيد صورته أمام المرآة، ويثبت لنفسه قبل الآخرين أن ما حدث له لن يكون كل حكايته.