تحل علينا اليوم الذكرى الـ(53) لنصر أكتوبر المجيد 1973، أعظم وأبقى ذكرى في تاريخ مصر الحديث وفي تاريخ الأمة العربية، نصر العزة والكرامة والإرادة الذي حققه الجيش المصري العظيم الذي انتصر على جيش الاحتلال الإسرائيلي وقهره، هذه المعركة الباسلة التي هزت وزلزلت العالم كله في هذا التوقيت، لذلك ستظل انتصارات أكتوبر المجيدة علامة مضيئة ونقطة فارقة في تاريخ الأمة، ورمزًا للإرادة المصرية الصلبة والعزيمة التي لا تلين.
حرب أكتوبر لم تكن تقليدية، بل جسدت أرقى صور التخطيط الاستراتيجي والقيادة الحكيمة، لتصبح نموذجًا يُحتذى به في مواجهة التحديات، إن نصر أكتوبر علمنا أن الأمة المصرية قادرة دومًا على الانتفاض من أجل حقوقها وفرض احترامها على الآخرين، وعلمنا أيضًا أن الحق الذي يستند إلى القوة تعلو كلمته وينتصر في النهاية.
ذلك النصر الذي قاتل المصريون من أجله، ودفعوا أثمانًا غالية من دمائهم الطاهرة ليستردوا جزءًا غاليًا وعزيزًا من أرض الوطن، الذي أقسموا على حمايته وصون ترابه وحدوده، مهما كان الثمن ومهما كانت التضحيات، فإن حرب أكتوبر المجيدة لم تكن مجرد معركة عسكرية خاضتها مصر وحققت فيها أعظم انتصاراتها، وإنما كانت اختبارًا حقيقيًا لقدرة الشعب المصري على تحويل الحلم إلى حقيقة، ولم تقتصر آثارها على المدة الزمنية للحرب، وإنما امتدت لتنشر أشعة الأمل في كل ربوع مصر، وتبعث في نفوس المصريين جميعًا روحًا جديدة تتسم بالإصرار والتحدي والقدرة على مواجهة الصعاب وتحقيق الإنجازات.
فتحية إلى جيل أكتوبر العظيم الذي حقق النصر ورفع راية الوطن على ترابه المقدس، وأعاد للعسكرية المصرية الكبرياء والشموخ، ورفع راية مصر عاليا أمام العالم، وتحية إلى رجال القوات المسلحة المصرية البواسل الذين ضحوا بأنفسهم وأرواحهم دفاعا عن بلدهم وحماية أرضهم، وستبقى ذكرى نصر أكتوبر المجيدة عيدا لكل المصريين تخليدا لقوة إرادتهم وصلابتهم لكفاءة قواتهم المسلحة وقدرتها القتالية المتميزة والتي سطرت ملحمة وطنية خالدة في حفظ تراب هذا الوطن وحماية حدوده، وستبقى ذكرى شهدائنا الأبرار وتضحياتهم الغالية خالدة في وجدان مصر ودافعا لمزيد من العمل والتقدم لصنع المستقبل الذي يتطلع إليه شعب مصر العظيم.
إننا في السادس من أكتوبر من كل عام، لا نستعيد ذكرى معركة عسكرية عظيمة فحسب، وإنما نستعيد لحظة فارقة أثبت فيها المصريون أن الأمم لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما تنتصر أولًا حين تمتلك إرادة الانتصار، وحين تتوحد صفوفها خلف هدف واضح، وحين يتحول الإيمان بالوطن إلى فعل وتضحية وقدرة على تحمل أصعب الظروف.
انتصار أكتوبر لم يكن مجرد عبور لقناة السويس واقتحام خط بارليف وتحطيمه، وإنما كان عبورًا من حالة الانكسار إلى الثقة، ومن مرارة الهزيمة إلى استعادة الإرادة، ومن انتظار المستحيل إلى صناعة الممكن، وهنا تكمن أهم رسالة نحتاج إلى استحضارها اليوم، فمصر التي استطاعت في أكتوبر أن تخوض واحدة من أصعب المعارك في تاريخها، وسط ظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد، قادرة أيضًا على عبور تحديات الحاضر، بشرط أن نستعيد الروح نفسها التي صنعت النصر وهى التماسك والإيمان والانضباط والعمل وتحمل المسؤولية، والثقة في قدرة المصريين على تجاوز الأزمات.
القوات المسلحة المصرية قدمت في حرب أكتوبر نموذجًا استثنائيًا في التخطيط والإعداد والانضباط والشجاعة والتضحية، وكان الجندي المصري في مقدمة المشهد، يقاتل من أجل استعادة الأرض والكرامة، ويؤدي مهمته في ظروف بالغة الصعوبة، واضعًا مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، لكن الدرس الأهم من أكتوبر أن القوات المسلحة لم تكن وحدها في المعركة بمعناها الأشمل، كان هناك مجتمع كامل يدرك طبيعة اللحظة، وأسرة مصرية قدمت أبناءها، وعامل وفلاح وطبيب ومهندس ومعلم وكل مواطن أدى دوره، في صورة جسدت معنى أن تتحول الدولة بأكملها إلى منظومة متماسكة عندما يكون الوطن أمام اختبار مصيري.
ولهذا ظل السادس من أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية باعتباره انتصارًا للإرادة قبل أن يكون انتصارًا عسكريًا، واليوم معركة مختلفة والهدف واحد، المعركة التي تخوضها مصر اليوم تختلف في أدواتها عن معركة أكتوبر، لكنها لا تقل أهمية.
فلم تعد التحديات محصورة في مواجهة عسكرية مباشرة، وإنما أصبحت هناك أزمات اقتصادية عالمية واضطرابات إقليمية وصراعات على النفوذ والثروات والممرات البحرية، وتوترات تمس أمن المنطقة، فضلًا عن تحديات الأمن المائي والغذائي والطاقة، والتحولات التكنولوجية المتسارعة والمنافسة الاقتصادية الدولية.
وفي عالم شديد الاضطراب لا تستطيع دولة أن تحمي مصالحها الوطنية إلا بقدر ما تمتلكه من قدرة على التماسك الداخلي وقوة مؤسساتها وصلابة اقتصادها، ووعي شعبها، وقدرتها على العمل في ظل الأزمات، وهنا يصبح درس أكتوبر أكثر حضورًا من أي وقت مضى، فكما كان التماسك أحد مفاتيح العبور في 1973، فإن التماسك الوطني اليوم هو أحد أهم شروط عبور تحديات المستقبل.
لقد عبر المصريون قناة السويس في أكتوبر، لأنهم لم يتعاملوا مع المانع باعتباره حقيقة مستحيلة التغيير، وإنما باعتباره تحديًا يحتاج إلى تخطيط وإرادة وعلم وتضحية، وهذه الروح نفسها نحتاج إليها في مواجهة تحديات الاقتصاد والصناعة والتعليم والتكنولوجيا والصحة والزراعة والطاقة والمياه.
انتهت معركة أكتوبر العسكرية، لكن معركة بناء الدولة لا تنتهي، فالأرض التي استعيدت بالتضحيات لا بد أن تُحمى بالتنمية، والحدود التي يحميها الجنود لا بد أن يقف خلفها اقتصاد قوي، والدولة التي تحافظ على أمنها القومي تحتاج إلى تعليم متطور وصناعة قادرة على المنافسة وبنية أساسية حديثة وفرص عمل حقيقية، وقدرة على إنتاج التكنولوجيا والغذاء والدواء.
ولذلك فإن معركة البناء والتنمية والتعمير ليست معركة أقل أهمية من أي معركة أخرى، وإنما هى امتداد طبيعي لمعركة استعادة الإرادة، فبناء مصنع جديد وتوفير فرصة عمل وتطوير مدرسة ومستشفى، وتوطين صناعة استراتيجية وزيادة الإنتاج الزراعي وتطوير التكنولوجيا وحماية الموارد المائية ورفع كفاءة المدن والقرى، كلها في النهاية حلقات في منظومة واحدة عنوانها قوة الدولة وقدرتها على حماية مستقبل أبنائها.
وفي ذكرى أكتوبر، يبقى واجبًا أن نستحضر بكل تقدير تضحيات رجال القوات المسلحة المصرية، الذين قدموا نماذج راسخة في البطولة والشجاعة والانضباط، ودفعوا ثمنًا غاليًا دفاعًا عن الأرض والسيادة الوطنية، وإذا كان التاريخ يتوقف طويلًا أمام بطولات حرب أكتوبر، فإن قيمتها لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية، وإنما أيضًا في ما قدمته من نموذج للانضباط والتخطيط والعمل الجماعي وتحمل المسؤولية.
إن الجيش الذي خاض معركة استعادة الأرض، هو ذاته جزء أساسي من منظومة حماية الدولة ومقدراتها، في وقت تتغير فيه طبيعة التحديات وتتسع دوائر المخاطر التي تواجه المنطقة، حيث إن المنطقة من حولنا تشهد تحولات عميقة من صراعات مسلحة وأزمات سياسية إلى تنافسات دولية متزايدة، وأزمات تمس الأمن والطاقة والغذاء والمياه والممرات البحرية، وفي مثل هذه الظروف تصبح الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي ضرورة.
ربما تكون أعظم رسالة في ذكرى نصر أكتوبر أن العبور لا يتوقف، فكان هناك عبور أول عبر قناة السويس لاستعادة الأرض، وهناك اليوم عبور جديد نحو دولة أكثر إنتاجًا وقدرة وتنافسية، عبور من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن استيراد التكنولوجيا إلى توطينها وصناعتها، ومن الوظائف التقليدية إلى اقتصاد المعرفة، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى التخطيط الاستباقي.
وهذا العبور يحتاج إلى الجيش في حماية الوطن، وإلى العامل في مصنعه، والفلاح في أرضه، والمعلم في مدرسته، والطبيب في مستشفاه، والمهندس في موقعه، والباحث في معمله، والإعلامي في مسؤوليته، والشاب في علمه وعمله، وكل مواطن في موقعه، وفي السادس من أكتوبر، لا نحتفل فقط بانتصار تحقق منذ أكثر من نصف قرن، وإنما نتذكر أن المصري الذي عبر في 1973 هو نفسه القادر على العبور اليوم، إذا امتلكنا الإيمان والإرادة نفسها.
رحم الله شهداء مصر الأبرار وسلامًا إلى أرواحهم، رووا بدمائهم الذكية أرض مصر الطاهرة وقدموا لأجيال تأتي من بعدهم القدوة والمثل في التضحيات والفداء، وحفظ الله قواتنا المسلحة، وحفظ الوطن، وجعل من روح أكتوبر وقودًا لمعركة جديدة، معركة البناء والتنمية والتعمير، حتى يظل العبور المصري مستمرًا من نصر إلى نصر، ومن إنجاز إلى إنجاز، ومن جيل يحمل الراية إلى جيل يواصل المسيرة.
وتحية إلى بطل الحرب والسلام صاحب قرار العبور العظيم الرئيس الراحل محمد أنور السادات الذي اتخذ القرار وتحمل تبعاته بشجاعة الفرسان وعزيمة الرجال".
إن الشعب المصري العظيم حريص على مواصلة العمل من أجل صون كرامة هذا الوطن والمضي قدما في طريق البناء والتنمية والتعمير والسلام، وسنظل نلتهم من نصر أكتوبر المجيد روح العزيمة والإرادة والإصرار.