من فوق بارليف إلى الأغنية والقصيدة.. كيف تحول محمد العباسى إلى أيقونة أكتوبر؟

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 12:30 م
من فوق بارليف إلى الأغنية والقصيدة.. كيف تحول محمد العباسى إلى أيقونة أكتوبر؟ حرب أكتوبر 1973

محمد عبد الرحمن

في لحظة خالدة من عمر حرب أكتوبر 1973، ارتفع علم مصر فوق أول نقطة حصينة جرى تحريرها على الضفة الشرقية لقناة السويس، لكن اللحظة التي بدأت باعتبارها واقعة عسكرية سرعان ما خرجت من ساحة المعركة إلى الذاكرة المصرية، فظهرت في الصحافة والصورة والكاريكاتير والأغنية والشعر والحكاية الشعبية، حتى أصبح اسم الجندي محمد محمد عبد السلام العباسي، الشهير بـ«محمد أفندي العباسي»، مرتبطًا في الوجدان المصري بصورة العلم المرفوع فوق خط بارليف.

والأدق عند الحديث عن العباسي أنه أول من رفع العلم المصري فوق أول نقطة حصينة جرى تحريرها خلال العبور في حرب أكتوبر، وليس القول بأنه أول من رفع العلم المصري على سيناء على الإطلاق؛ إذ سبقت حرب أكتوبر عمليات عسكرية شهدت رفع أعلام مصرية شرق القناة، وتؤكد روايات صحفية متعددة أن العباسي كان أول من رفع العلم على أول نقطة حصينة تم تحريرها خلال الحرب.

 

لحظة عسكرية تحولت إلى رمز

كان العباسي ابن مدينة القرين بمحافظة الشرقية، مجندًا في صفوف المشاة عندما بدأت عملية العبور في السادس من أكتوبر، ويروي في شهاداته أنه كان ضمن القوات المتقدمة نحو إحدى النقاط الحصينة بخط بارليف، وبعد السيطرة عليها طلب منه قائد الكتيبة رفع العلم المصري.

وبحسب روايته، صعد إلى النقطة وأنزل العلم الإسرائيلي ورفع العلم المصري، لتصبح تلك اللحظة واحدة من الصور الرمزية التي ارتبطت بالعبور، وتقول روايات صحفية إن هيئة التنظيم والإدارة بالقوات المسلحة أبلغته بعد الحرب بأنه أول من رفع العلم، ثم جرى تكريمه رسميًا في عام 1976.

لكن العباسي نفسه لم يكن يعرف، في لحظة رفع العلم، أنه سيُسجل لاحقًا باعتباره أول من قام بهذه المهمة، فالمعركة كانت لا تزال مستمرة، والعلم لم يكن وقتها سوى جزء من مشهد أكبر يشارك فيه آلاف الجنود على امتداد الجبهة.

 

من الواقعة إلى الصورة

الصورة كانت الوسيط الأول الذي نقل اللحظة من أرض المعركة إلى الجمهور. فقد أصبحت مشاهد الجنود المصريين وهم يرفعون العلم على الضفة الشرقية من أبرز الصور البصرية المرتبطة بنصر أكتوبر، إلى جانب الصور التي وثقت العبور والجنود فوق الساتر الترابي.

ولم تتوقف الصورة عند التوثيق الصحفي؛ إذ تحولت لاحقًا إلى مادة فنية وإعلامية تستعاد كل عام مع ذكرى النصر، وأصبح «رافع العلم» شخصية رمزية تختصر في صورة واحدة معنى استعادة الأرض وعودة العلم المصري إلى الضفة الشرقية.

حتى بعد وفاة العباسي في يوليو 2019، استمرت صورته في الظهور بوصفها إحدى الصور المرتبطة بقصة العبور. 

 

«محمد أفندي رفعنا العلم».. حين دخل البطل إلى الأغنية

لكن الحكاية لم تتوقف عند الصورة. في الشارع المصري تحولت الواقعة إلى جملة شهيرة: «محمد أفندي رفعنا العلم»، وهي العبارة التي ارتبطت باسم العباسي بعد الحرب، حتى إن كثيرين ظنوا في البداية أن «محمد أفندي» شخصية رمزية أو اسمًا أطلق على الجندي المصري المجهول.

وتشير شهادات صحفية إلى أن العبارة تحولت إلى أغنية ترددت بين المصريين بعد الحرب، بينما ارتبط انتشارها أيضًا بالأداء الدرامي والإذاعي في أجواء أكتوبر، لتنتقل من واقعة تخص جنديًا بعينه إلى تعبير شعبي عن بطولة الجنود المصريين عمومًا. 

وهنا حدث تحول مهم في صورة البطل: لم يعد محمد العباسي مجرد اسم في سجل عسكري، وإنما أصبح «محمد أفندي» الذي يعرفه الناس من خلال جملة غنائية وهتاف شعبي.

 

صلاح عبد الصبور يكتب للجندي

وإذا كانت الأغنية قد أخذت الحكاية إلى الشارع، فإن الشعر نقلها إلى مساحة أخرى. فبعد أيام قليلة من اندلاع الحرب، كتب الشاعر صلاح عبد الصبور قصيدته الشهيرة «إلى أول جندي رفع العلم في سيناء»، ونُشرت في 9 أكتوبر 1973، أي بعد ثلاثة أيام فقط من بدء المعارك.

واللافت هنا أن عبد الصبور لم ينتظر انتهاء الحرب حتى يكتب عن صورة الجندي رافع العلم، بل التقط المشهد وهو لا يزال يتشكل. وتوضح مصادر ثقافية أن القصيدة كانت واحدة من رسائل عبد الصبور الشعرية المباشرة إلى ميدان الحرب، إلى جانب قصيدة أخرى بعنوان «إلى أول مقاتل قبّل تراب سيناء». 

وفي القصيدة، لا يكتفي الشاعر بوصف الجندي، وإنما يحول صورته إلى رمز أكبر؛ فالجندي الذي ظهر للحظات على الشاشة وهو يرفع العلم يصبح، في المخيلة الشعرية، صورة لمصر نفسها وهي تستعيد حضورها بعد سنوات من الهزيمة والاحتلال.

 

العلم في الأغنية الوطنية

وفي الوقت نفسه، التقطت الأغنية الوطنية صورة العلم بوصفها واحدة من أهم علامات العبور. ومن بين الأغنيات التي ظهرت في أجواء النصر «صبرنا وعبرنا»، التي كتب كلماتها كمال عمار ولحنها محمود الشريف وغناها ثلاثي النغم، وربطت بين العبور ورفع العلم المصري على الضفة الشرقية. 

وهكذا أصبح رفع العلم حاضرًا في أكثر من طبقة فنية؛ مرة باعتباره فعلًا عسكريًا، ومرة باعتباره صورة صحفية، ومرة باعتباره موضوعًا للأغنية والقصيدة.

 

من الصحافة إلى الكاريكاتير

حتى فن الكاريكاتير التقط المشهد سريعًا. وفي الأيام الأولى للحرب ظهرت رسومات تستعيد صورة الجندي المصري على الضفة الشرقية وهو يرفع العلم، في محاولة لتحويل الحدث العسكري إلى صورة بصرية قادرة على الوصول إلى الجمهور العريض.

ولم يكن ذلك غريبًا على الصحافة المصرية التي لعبت خلال الحرب دورًا في متابعة المعارك وصناعة الصورة اليومية للنصر. وبعد عقود، ظل «رافع العلم» حاضرًا في الرسوم والكاريكاتير عند استعادة ذكرى أكتوبر. كما وثقت الصحافة لاحقًا أعمالًا فنية تناولت العباسي نفسه بعد وفاته.

 

حين تصنع القرية أسطورة بطلها

ربما كان التحول الأهم في قصة محمد العباسي هو ما حدث عندما عاد إلى مسقط رأسه في القرين بعد الحرب.

وفق شهادته، فوجئ بأن أهالي مدينته كانوا يعرفون قصته، واستقبلوه في زفة شعبية بالخيول، ورددوا عبارة «محمد أفندي رفعنا العلم»، ومنذ ذلك الوقت التصق به الاسم الذي صار أشهر من اسمه الكامل.

هنا انتقلت الحكاية من الوثيقة الرسمية إلى الذاكرة الشعبية. فالناس لم يتعاملوا مع العباسي باعتباره رقمًا في كشف الجنود، وإنما باعتباره «محمد أفندي»، ابن المدينة الذي رفع العلم، فصار اسمه جزءًا من الحكاية التي ترويها الأجيال عن الحرب.

 

من الجندي إلى الشخصية الثقافية

قصة العباسي تكشف كيف تعمل الذاكرة الجماعية: تبدأ بواقعة محددة، ثم تلتقطها الكاميرا، قبل أن تعيد الأغنية إنتاجها، ويمنحها الشعر معنى آخر، وتعيد الصحافة سردها، ثم تتلقفها الحكاية الشعبية.

وبمرور الوقت، لا يعود الناس بحاجة إلى معرفة كل تفاصيل الواقعة كي يتذكروا معناها؛ يكفي أن يظهر العلم، أو صورة جندي فوق نقطة حصينة، أو جملة «محمد أفندي رفعنا العلم»، حتى تستدعى في الذاكرة صورة السادس من أكتوبر.

وهذه هي المسافة التي قطعتها حكاية محمد العباسي: من لحظة عسكرية على الضفة الشرقية لقناة السويس إلى صورة، ومن الصورة إلى أغنية، ومن الأغنية إلى قصيدة، ومن القصيدة إلى حكاية شعبية، ثم إلى واحد من الرموز التي تستدعيها الثقافة المصرية كلما عادت ذكرى نصر أكتوبر.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة