محمد الجوهرى

من عبور النصر إلى عبور المستقبل مصر تستلهم روح أكتوبر

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 06:31 م


كل عام والشعب المصري بخير وكل عام ومصر قادرة على تحويل التحديات إلى فرص وعلى صناعة الأمل مهما كانت صعوبة الطريق

ثلاثة وخمسون عاما مرت على نصر أكتوبر المجيد وما زالت تلك اللحظة حاضرة في وجدان المصريين باعتبارها دليلا على أن الأمم تستطيع أن تغير واقعها حين تمتلك الإرادة وتستعد وتعمل وتثق في قدراتها

في السادس من أكتوبر عام ١٩٧٣ عبر الجندي المصري قناة السويس ليغير مسار التاريخ واليوم تتطلع مصر إلى عبور جديد نحو المستقبل عبور اقتصادي وتنموي تصبح فيه القدرة على الإنتاج عنوانا للقوة ويكون الإنسان غايته الأولى ويجد فيه المواطن ثمرة العمل في فرصة أفضل للحياة

وإذا كان العبور الأول قد أعاد للوطن ثقته في قدرته على الانتصار فإن العبور إلى المستقبل يحتاج إلى استثمار هذه الثقة في بناء اقتصاد أكثر كفاءة وإنتاجا وقدرة على المنافسة اقتصاد يصنع ويزرع ويصدر ويوفر فرص العمل ويمنح الأجيال الجديدة مساحة أوسع لتحقيق أحلامها

لقد أثبت أكتوبر أن النجاح الكبير يبدأ قبل لحظة ظهوره بسنوات من الإعداد وأن النصر تصنعه التفاصيل الصغيرة حين تنتظم داخل رؤية واضحة فقد كان وراء العبور تدريب وتخطيط وانضباط وتكامل بين الأدوار وقدرة على قراءة الواقع والتعامل معه بوعي

وهذه هي القواعد نفسها التي تحتاجها التنمية الاقتصادية فالمصنع الناجح يحتاج إلى إعداد والسوق التنافسية تحتاج إلى تنظيم والاستثمار يحتاج إلى ثقة واستقرار والعامل يحتاج إلى تدريب والدولة تحتاج إلى أهداف واضحة تعرف كيف تقيس تقدمها نحوها

ومن هنا فإن استدعاء روح أكتوبر في المجال الاقتصادي يعني تحويلها إلى منهج عمل يقوم على تحديد المشكلة وفهم أسبابها واختيار الحل المناسب ومتابعة التنفيذ وتصحيح المسار حين تظهر الحاجة إلى ذلك

لقد كان أحد أعظم دروس أكتوبر أن العقبات مهما بدت ضخمة يمكن تجاوزها بالعلم والابتكار وحسن استخدام الموارد وهذه رسالة شديدة الأهمية للاقتصاد المصري الذي يحتاج إلى إطلاق طاقات أبنائه وإعطاء الأفكار الجيدة فرصة للوصول إلى التطبيق وربط البحث العلمي باحتياجات الصناعة والزراعة والخدمات

فالاقتصاد القوي ينشأ حين تتحول المعرفة إلى منتج ويتحول التدريب إلى مهارة وتتحول المهارة إلى قيمة مضافة يجدها المستهلك في جودة السلعة ويجدها العامل في أجره ويجدها المجتمع في زيادة إنتاجه

والعبور الاقتصادي يبدأ من المصنع لأن الصناعة تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على خلق الوظائف وتوسيع الصادرات وبناء سلاسل إنتاج تتشارك فيها المشروعات الكبيرة والمتوسطة والصغيرة وكلما ارتفع المكون المحلي في الإنتاج زادت قدرة الدولة على الاستفادة من مواردها وتقليل تعرضها لتقلبات الأسواق الخارجية

ولهذا فإن دعم الصناعة يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل تيسير الإجراءات وإتاحة التمويل المناسب وتأهيل العمالة وتحسين الجودة وتوفير المنافسة العادلة ومساعدة المنتج المصري على الوصول إلى الأسواق

كما يحتاج إلى التعامل مع المصانع المتعثرة باعتبارها طاقات إنتاجية تستحق الدراسة الجادة فالمصنع القابل للعودة إلى العمل يمكن أن يستعيد دوره حين تتكامل إعادة هيكلته المالية مع تطوير إدارته وتحديث إنتاجه ووجود طلب حقيقي على منتجاته

وفي الزراعة يتجسد جانب آخر من العبور إلى المستقبل حيث يرتبط الأمن الغذائي بقدرة الدولة على حماية مواردها ورفع إنتاجيتها وتحسين إدارة المياه وتقليل الفاقد وتطوير التخزين والتصنيع الزراعي

فالأرض التي تنتج والمحصول الذي يصل إلى السوق بكفاءة والصناعة التي تضيف إليه قيمة تشكل معا دائرة تنموية توفر فرص العمل وتدعم دخل المزارع وتعزز استقرار الإمدادات الغذائية

ويظل تطوير البنية الأساسية ركيزة مهمة في هذا المسار فالطرق والموانئ وشبكات الكهرباء والاتصالات تستطيع أن توسع فرص الاستثمار وتربط مناطق الإنتاج بالأسواق وتخفض الوقت والتكلفة

وتكتمل قيمتها الاقتصادية حين تنعكس على نشاط المصانع وحركة التجارة وكفاءة الخدمات وحين تجذب استثمارات منتجة وتساعد المشروعات على النمو وتوفر للمواطن فرصا أوسع للعمل

وهنا يصبح التقييم المستمر ضرورة حتى تتجه الموارد إلى المشروعات الأعلى جدوى والأكثر قدرة على تحقيق أثر اقتصادي واجتماعي واضح فكل استثمار عام يحتاج إلى حساب لتكلفته وعائده وقدرته على خدمة الناس ودعم النشاط الاقتصادي

وفي قلب هذا العبور يقف القطاع الخاص بوصفه شريكا أساسيا في الإنتاج والتشغيل والابتكار وتوسيع الأسواق وتزداد قدرته على أداء هذا الدور حين تكون القواعد واضحة والإجراءات ميسرة والمنافسة عادلة ويستطيع المستثمر أن يخطط بثقة لسنوات قادمة

فالثقة مورد اقتصادي ثمين وحين يثق المستثمر في بيئة العمل يصبح أكثر استعدادا للتوسع وحين يثق المواطن في عدالة الفرص يصبح أكثر استعدادا للمشاركة وحين تثق المؤسسات في وضوح السياسات تتحسن قدرتها على اتخاذ القرار

ولهذا فإن الإصلاح الإداري وتبسيط الإجراءات وتسريع الخدمات وحماية الحقوق عناصر تؤثر مباشرة في تكلفة الإنتاج وجاذبية الاستثمار وكفاءة الاقتصاد

وكما كان الجندي المصري محور العبور في أكتوبر فإن الإنسان المصري هو محور العبور التنموي فالتعليم الجيد والرعاية الصحية والتدريب المهني تمثل أساس القدرة على العمل والإبداع والمنافسة

ولا يمكن بناء صناعة متقدمة دون فني ماهر أو إدارة كفؤة أو مهندس قادر على التطوير كما يصعب توسيع الاقتصاد الرقمي دون تعليم يفتح أبواب المعرفة ويمنح الشباب أدوات استخدامها

ومن هنا تبرز أهمية التعليم الفني والتلمذة الصناعية وربط الدراسة بسوق العمل حتى تصبح المدرسة والجامعة بوابتين إلى الإنتاج ويجد الشاب مسارا واضحا بين ما يتعلمه وما يستطيع أن يقدمه للمجتمع

والشباب هم الطاقة الأوسع لهذا المستقبل لكن تحويل هذه الطاقة إلى قوة اقتصادية يحتاج إلى فرص حقيقية وإلى احتضان للمبادرات وتسهيل لبدء المشروعات وإتاحة للتدريب وإلى ثقافة تقدر العمل والإتقان والمبادرة

كما أن العبور الاقتصادي يحتاج إلى عدالة اجتماعية تحافظ على تماسك المجتمع وتمنح الفئات الأكثر احتياجا حماية فعالة خلال فترات الإصلاح فنجاح السياسات الاقتصادية يرتبط بقدرتها على تحسين حياة الناس وتوسيع فرصهم وحماية قدرتهم على تلبية احتياجاتهم الأساسية

ويشعر المواطن بالتنمية حين يجد عملا مستقرا ودخلا أفضل وتعليما جيدا وخدمة صحية مناسبة وحين تصبح أعباء الحياة أكثر قابلية للتحمل وتكون أمام أبنائه فرصة واقعية للتقدم

ولهذا ينبغي أن تقترن أهداف النمو بسياسات ترفع الإنتاجية وتحسن توزيع الفرص وتدعم الحماية الاجتماعية وتساعد الأسر على الانتقال إلى أوضاع أكثر استقرارا

ومن الدروس العميقة لأكتوبر أيضا أن إدارة الموارد بكفاءة تصنع فارقا حاسما فالاقتصاد يحتاج إلى انضباط مالي وتحديد للأولويات وترشيد للهدر وتوجيه للتمويل نحو الأنشطة القادرة على توليد الإنتاج والدخل

وتتعزز الاستدامة حين ترتبط الالتزامات المالية بقدرة واضحة على السداد وحين يرفع الإنفاق العام كفاءة الاقتصاد وحين تتسع موارده من الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات والصادرات

فكلما تنوعت مصادر الدخل زادت قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات وكلما ارتفعت جودة المنتج والخدمة تحسنت فرص المنافسة وكلما اتسعت قاعدة الإنتاج أصبحت التنمية أكثر رسوخا

ومصر بما تمتلكه من موقع جغرافي وطاقات بشرية وتاريخ حضاري تستطيع أن توسع دورها الاقتصادي حين تربط هذه المزايا بإدارة كفؤة ورؤية عملية وتكامل بين النقل والتجارة والصناعة والسياحة والمعرفة

فالموقع المتميز يحتاج إلى خدمات متميزة والثروة السياحية تحتاج إلى تجربة جيدة للزائر والموارد البشرية تحتاج إلى تعليم وتدريب والفرصة الاستثمارية تحتاج إلى بيئة تساعدها على التحول إلى مشروع ناجح

إن الاحتفاء بنصر أكتوبر يضع أمامنا مسؤولية الحفاظ على معناه وتجديده في واقع الأجيال الجديدة فجيل العبور قدم نموذجا في الإعداد والتضحية والعمل الجماعي وعلى الأجيال الحالية أن تستثمر هذا الإرث في بناء مؤسسات أقوى وإنتاج أفضل ومستقبل أكثر اتساعا

وهذا يتطلب خطابا اقتصاديا صادقا يشرح التحديات ويحدد الأولويات ويعلن النتائج ويمنح المجتمع القدرة على متابعة ما يتحقق فالثقة تنمو مع الوضوح والمشاركة تتحسن حين يعرف المواطن هدف الجهد الذي يبذله والعائد المنتظر منه

وبعد ثلاثة وخمسين عاما يظل أكتوبر رسالة حية بأن الإرادة حين تقترن بالعلم والعمل تستطيع أن تفتح طريقا كان يبدو صعبا وأن الشعوب قادرة على تجاوز أزماتها حين تتجمع طاقاتها حول هدف واضح

لقد عبرت مصر قناة السويس لتستعيد الأرض وتثبت قدرتها على الانتصار وهي اليوم مدعوة إلى عبور اقتصادي يرفع قيمة العمل ويطلق طاقات الإنتاج ويمنح الإنسان المصري فرصة أوسع لحياة كريمة

كل عام ومصر بخير وكل عام وشعبها قادر على تجديد الأمل وصناعة المستقبل بروح أكتوبر وعقل العلم وسواعد العمل




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة