لم تكن حرب السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد ملحمة عسكرية غيرت موازين القوى في الشرق الأوسط فحسب، بل كانت زلزالاً ثقافياً وإبداعياً أعاد صياغة الوجدان الأدبي على ضفتي المعركة، وفي الذكرى الثالثة والخمسين لهذا النصر المجيد، نفتح ملف "أدب الحرب" لنرصد كيف تحول العبور إلى "باعث للكرامة" وممهد لما يُعرف اليوم بـ "أدب الوعي" في الرواية المصرية، في مقابل تحوله إلى "أدب للصدمة والارتباك وفقدان الهوية" داخل الأدبيات العبرية والغربية.
ضفة العبور.. المصري يعيد اكتشاف نفسه
في الأدب المصري، لم يقف الكتاب عند حدود التوثيق العسكري الجاف، بل غاصوا في عمق الشخصية المصرية التي عانت من انكسار 1967 وتطهرت بعبور 1973.
لقد صاغ الرواد بجهودهم الإبداعية الملامح الأولى لـ أدب الوعي ومواجهة زيف الادعاءات، وفي مقدمتهم الأديب الراحل جمال الغيطاني في روايته الخالدة "الرفاعي" وروايته "حكايات الغريب" التي وثقت صمود السويس الشعبي.
وتكاملت هذه الرؤية مع رائعة الأديب يوسف القعيد "الحرب في بر مصر"، التي فككت الآثار الاجتماعية والنفسية الطاحنة للحرب في الريف المصري، لتؤكد أن رواية الحرب المصرية لم تكن مجرد رصد للمعارك، بل كانت تأصيلاً للذات وتأكيداً على الوعي الشعبي والاجتماعي المعاصر للحدث.
ضفة الانكسار.. "يوم الغفران" وزلزال الرواية العبرية
على الجانب الآخر، تظهر المصادر والأدبيات الروائية تحولاً جذرياً عقب الحرب، فبعد سنوات من "العنجهية وأدب البطولة الزائفة" التي تلت عام 1967، جاءت حرب 1973 لتخلق في النقد الأدبي ما يُعرف بـ "أدب صدمة يوم الغفران" أو "أدب زلزال أكتوبر".
ومن هنا ظهرت الأعمال التي تبرز ضياع الهوية وتشتت الذات، وتأتي رواية "العاشق" (1977) للأديب العبري البارز "أ. ب. يهوشع" كنموذج إبداعي جسّد التمزق النفسي، حيث اتخذ من اختفاء بطل الرواية في معمعة حرب 1973 رمزاً لضياع الهوية والاضطراب الذي عانى منه المجتمع عقب المفاجأة المصرية.
وفي نفس السياق الصادم، رصدت رواية "تعديل الموازين" للكاتب "حاييم ساباتو" الفوضى العارمة، ومشاعر الخوف، وانهيار الروح المعنوية داخل سلاح المدرعات الإسرائيلي في الأيام الأولى للقتال، لتعكس أدبياً سقوط نظرية الأمن المطلق وعقلية الغرور العسكري الحاضرة في الذهنية الصهيونية آنذاك.
التوثيق الغربي.. مراجعات الوعي المفاجئ
المراجعات الغربية لم تتوقف، وحسب الكتاب البحثي الشامل الذي أصدرته الهيئة العامة للاستعلامات (SIS) مؤخراً، والذي رصد 30 كتاباً أجنبياً صدرت بالإنجليزية والفرنسية والعبرية حول الحرب، "حرب السادس من أكتوبر 1973 في عيون الكُتاب الأجانب" فإن التحليل الثقافي الغربي انتقل من الانحياز التام إلى الاعتراف بـ"المعجزة المصرية".
من ناحية أخرى ألقى كتّاب ومؤرخون أمريكيون، مثل "أوري كاوفمان" في كتابه "ثمانية عشر يوماً في أكتوبر" (Eighteen Days in October)، الضوء على الجانب الدرامي والإنساني، وكيف غيرت هذه الحرب مفاهيم الوعي والاستراتيجية في العالم، معتمدين على نصوص درامية وثائقية تجسدت حتى في مذكرات قادة الاحتلال مثل مذكرات "جولدا مائير" (حياتي) والتي تفيض بمرارة الانكسار.
معركة الوعي مستمرة
ومع المقارنة بين أدب العبور المصري وأدب الصدمة العبري تثبت أن النصر لم يكن عسكرياً وحسب، بل كان انتصاراً للوعي والثقافة الإنسانية المصرية، ويبقى دور الأدب والنقد اليوم هو حماية هذه السردية التاريخية ونقلها للأجيال الجديدة، في زمن باتت فيه الأفكار والروايات هي ساحة المعركة الحقيقية.