ـ شارك فى حرب أكتوبر رغم إصابته بعجز 90%.. والسيسى قبّل رأسه فى مؤتمر شباب الإسماعيلية
هناك رجال تكتب أسماؤهم فى صفحات التاريخ بالحبر، وهناك من تكتب أسماؤهم بالدم.. والبطل عبد الجواد مسعد سويلم واحد من هؤلاء الذين لم تكن الحرب بالنسبة لهم مجرد معركة انتهت بانتهاء إطلاق النار، وإنما حياة كاملة دفع ثمنها من جسده، وخرج منها بإرادة لم تستطع الإصابة أن تكسرها.
ولد «الشهيد الحى» عبد الجواد سويلم فى 26 أبريل 1947 بعزبة أبو عمر بمركز أبو صوير فى محافظة الإسماعيلية، ونشأ فى أسرة ارتبطت بالقوات المسلحة، إذ كان والده يعمل فى قوات السواحل التى أصبحت لاحقًا حرس الحدود.
مشهد من الاحتلال صنع المقاتل
فى طفولته، عاصر سويلم وجود القوات الإنجليزية فى مدن القناة، وكانت أبو صوير تضم قاعدة جوية كبيرة للإنجليز.
لكن مشهدًا ظل محفورًا فى ذاكرته منذ عام 1951، عندما شاهد أهالى قريته متجمعين أمام منزل الشيخ محمد أبو بركات، بعد أن أطلق ضابط إنجليزى الرصاص عليه، بدعوى علاقته بالفدائيين.
يقول سويلم إن هذه الواقعة ظلت تؤرقه سنوات طويلة، وعندما وصل إلى سن التجنيد اتخذ قراره بالالتحاق بالقوات المسلحة، ثم سعى للانضمام إلى سلاح الصاعقة، وخضع لتدريبات شاقة، وكان يرى نفسه مستعدًا للشهادة فى سبيل الوطن.
18 عملية خلف خطوط القوات الإسرائيلية
مع اندلاع حرب الاستنزاف، وجد عبد الجواد نفسه فى قلب المعارك.
ويؤكد أنه شارك فى 18 عملية عبور داخل وخلف خطوط القوات الإسرائيلية، وتمكن خلالها، وفق روايته، من تدمير عدد من مركبات ومدرعات العدو.
كما شارك زملاءه من رجال الصاعقة فى تنفيذ عمليات ضد القوات الإسرائيلية، من بينها الهجوم على مطار المليز، الذى يقول إنه أسفر عن تدمير 6 طائرات إسرائيلية.
كانت كل عملية تحمل احتمال العودة شهيدًا، لكن سويلم ظل يكرر المهمة تلو الأخرى، حتى جاء اليوم الذى أصيب فيه إصابة كادت تنهى حياته.
صاروخ إسرائيلى حوّله إلى «شهيد حى»
أصيب سويلم بصاروخ إسرائيلى، فبُترت ساقاه وساعده الأيمن، وفقد عينه اليمنى، فضلًا عن إصابة خطيرة وغائرة فى ظهره.
حمله خمسة من زملائه ونقلوه إلى مستشفى جنوب بورسعيد، ثم نُقل بطائرة عسكرية إلى مستشفى القوات المسلحة وهو فى غيبوبة.
وبعد أيام، زاره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وكان سويلم يرقد على بطنه بسبب إصابته الخطيرة.
سأله عبد الناصر عما يحتاجه، فجاءت إجابة المقاتل على غير المتوقع: «أريد العودة للميدان».
نظر عبد الناصر إلى الفريق محمد فوزى وزير الدفاع آنذاك، وقال له، بحسب رواية سويلم: «مادامت هذه الروح موجودة سننتصر يا فوزى».
ومنذ ذلك اليوم ارتبط اسمه بلقب «الشهيد الحى».
لم يكتفِ بالنجاة.. عاد إلى الخدمة والقتال
بعد تركيب الأطراف الصناعية، رفض سويلم الخروج من الخدمة العسكرية، وأصر على مواصلة دوره، ليشارك فى حرب أكتوبر 1973.
وهكذا لم تتوقف قصة الرجل عند إصابته، بل بدأت مرحلة جديدة من حياته؛ مقاتل فقد أطرافًا وعينًا، لكنه عاد إلى صفوف القوات المسلحة بإرادة أقوى من الإصابة.
وحصل سويلم على ثلاثة أنواط للشجاعة؛ نوطًا من الرئيس جمال عبد الناصر ونوطين من الرئيس أنور السادات، كما كُرم خلال الاحتفال باليوبيل الفضى لنصر أكتوبر عام 1998 ومنح ميدالية مقاتلى أكتوبر.
أربعة رؤساء يكرمون البطل
امتدت رحلة تكريم عبد الجواد سويلم إلى عهد الرئيس الراحل محمد حسنى مبارك، وصولًا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى، ليحظى بتكريم من أربعة رؤساء لمصر.
وكان من أبرز مشاهد التكريم لقاؤه بالرئيس السيسى خلال مؤتمر الشباب الثالث الذى استضافته الإسماعيلية.
كان سويلم فى الإسكندرية عندما تلقى اتصالًا من الرئاسة يخبره بالمشاركة فى المؤتمر، فسارع إلى العودة إلى محافظته.
وعندما التقى الرئيس، أدى له التحية العسكرية، ثم صافحه واحتضنه، وقال له إنه يشعر بالأمان فى وجوده وأن مصر قوية.
وفوجئ سويلم بالرئيس عبد الفتاح السيسى يقبل رأسه، فى مشهد ظل محفورًا فى ذاكرة البطل.
«رسالتى للشباب.. حافظوا على وطنكم»
رغم مرور عشرات السنوات، لا يزال عبد الجواد سويلم حاضرًا فى الندوات واللقاءات، ويشارك فى محاضرات للجنود والشباب ومراكز الشباب وقصور الثقافة، ليروى تجربته فى حرب الاستنزاف وأكتوبر.
ويؤكد دائمًا أن رسالته للأجيال الجديدة هى الحفاظ على الوطن والقوات المسلحة، والتمسك بالوعى والانتماء، لأن ما تحقق لمصر لم يكن سهلًا، وإنما دفع ثمنه رجال قدموا أغلى ما يملكون.
واليوم يعيش «الشهيد الحى» وسط أبنائه وأحفاده فى أبو صوير بالإسماعيلية، يحمل ذكريات المعارك وأوسمة الشجاعة، ويؤكد أن إصابته لم تكن نهاية حياته، بل كانت شهادة على أن جسد المقاتل قد يُصاب.. لكن إرادته لا تُهزم.

الشهيد الحى عبدالجواد سويلم

الشهيد الحى مع الزميل صبرى غانم