رحلة الساق المعلقة.. بطل يروى من قلب المعركة كيف استعاد المقاتل المصرى ثقته.. عادل يسرى أصابته قذيفة دبابة فواصل قيادة رجاله: «انتابنى هدوء غريب.. فقدت ساقى وكسبت نصرًا عزيزًا لمصر»

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 05:01 م
رحلة الساق المعلقة.. بطل يروى من قلب المعركة كيف استعاد المقاتل المصرى ثقته.. عادل يسرى أصابته قذيفة دبابة فواصل قيادة رجاله: «انتابنى هدوء غريب.. فقدت ساقى وكسبت نصرًا عزيزًا لمصر» البطل عادل يسرى

أحمد إبراهيم الشريف

«العربة المدرعة تسرع ليلًا.. إنها تتحرك بصعوبة فوق رمال سيناء متجهة إلى الغرب إلى قناة السويس.. من عند النقطة121 على مسافة 19كم شرق القناة، داخل العربة 3 أفراد، سائق ومساعد وقائد جريح يرقد على الكرسى الخلفى، وجهه إلى السماء يتفحص النجوم، بينما ساقه اليمنى تنزف بغزارة وعلى بعد قليل منه باقى الساق والقدم»


من هذه الصورة القاسية، يفتح العميد أركان حرب عادل يسرى باب مذكراته «رحلة الساق المعلقة.. من رأس العش إلى رأس الكوبرى»، فيختار لحظة الذروة أولًا، ثم يعود منها إلى الوراء، كأن الطريق إلى المستشفى يتحول فى ذاكرته إلى طريق آخر أطول كثيرًا، بدأ بعد هزيمة يونيو 1967، ومر بمعارك الاستنزاف والإعداد والتدريب، وانتهى عند الضفة الشرقية لقناة السويس فى أكتوبر 1973. 

الكتاب، الصادر عن دار المعارف بالقاهرة عام 1974، ينتمى إلى الشهادات المبكرة التى كتبها قادة شاركوا بأنفسهم فى حرب أكتوبر. 

رحلة الساق المعلقة
رحلة الساق المعلقة

 

كتاب خرج من قلب المعركة

قيمة «رحلة الساق المعلقة» تبدأ من موقع صاحبه فى الحرب، عادل يسرى لا يكتب من غرفة عمليات عليا يستعرض منها الصورة الكلية، ولا يقدم دراسة عسكرية جاءت بعد سنوات من انتهاء القتال، وإنما يكتب تجربة قائد ميدانى عاش تحولات الجيش المصرى بين 1967 و1973، واحتك بالجنود والضباط، ورأى أثر التدريب فى الأداء، ودخل المعركة معهم، ثم دفع من جسده ثمنًا مباشرًا حين أصابته قذيفة دبابة يوم 8 أكتوبر.

لهذا تأتى المذكرات قريبة من الأرض ومن الإنسان، فالخرائط والتحركات والأوامر موجودة فى خلفية الحكاية، غير أن الوجه الأكثر حضورًا هو وجه المقاتل الذى يتعلم ويستعد ويخاف ويتجاوز خوفه ويقاتل ويستمر، وتتحول تجربة الكاتب الشخصية إلى مدخل لقراءة تحول أكبر جرى داخل الجيش المصرى نفسه، من جيش خرج من هزيمة قاسية إلى جيش يدخل معركة جديدة وقد أعاد بناء ثقته فى نفسه وفى قدرته على القتال.

يحمل العنوان نفسه هذا المعنى «الساق المعلقة» تخص عادل يسرى، أما «من رأس العش إلى رأس الكوبرى» فتتجاوز سيرته الفردية إلى رحلة عسكرية تمتد 6 سنوات تقريبًا، من واحدة من أولى المواجهات التى أعقبت يونيو 1967 إلى تثبيت الوجود المصرى شرق القناة فى حرب أكتوبر، لذلك تبدو الساق فى العنوان جزءًا من الحكاية، بينما الطريق بين رأس العش ورأس الكوبرى هو الحكاية الأوسع.
 

من رأس العش بدأت استعادة الثقة

يعود عادل يسرى فى مذكراته إلى حرب الاستنزاف، وإلى الفترة التى قاد فيها الكتيبة السابعة مشاة، ويتوقف أمام معارك خاضتها الكتيبة، بينها رأس العش والبلاح، وهذه العودة تحمل دلالة تتجاوز تسجيل تاريخ وحدة عسكرية، فالكاتب يبحث فى السنوات السابقة على أكتوبر عن اللحظات التى أعادت للمقاتل ثقته، وعن التراكم الذى جعل العبور ممكنًا عندما جاءت لحظته. 

جاءت معركة رأس العش فى أول يوليو 1967، بعد أسابيع قليلة من الهزيمة، حين حاولت قوات إسرائيلية التقدم فى اتجاه بورفؤاد، ونجحت قوة مصرية فى صد الهجوم، واكتسبت المعركة رمزية مبكرة لأنها وقعت فى وقت كانت فيه آثار يونيو لا تزال طازجة، فكانت واحدة من الإشارات الأولى إلى أن القتال مستمر وأن استعادة الأرض ستبدأ من القدرة على الوقوف من جديد.

يقرأ عادل يسرى هذه المرحلة بوصفها زمنًا للإعداد الطويل، الجيش الذى سيعبر فى السادس من أكتوبر لم يتشكل فى يوم الحرب، وإنما عبر سنوات من التدريب وإعادة التنظيم واستيعاب الدروس والتعامل مع واقع جديد فرضته الهزيمة، من هنا يصبح الحديث عن حرب الاستنزاف جزءًا جوهريًا من بنية الكتاب، فهى الحلقة التى تصل بين جرح 1967 وبين قدرة 1973، وهى الفترة التى عرف فيها المقاتل الأرض والعدو، وراكم الخبرة، واختبر السلاح، واستعاد تدريجيًا ثقته فى قدرته على المواجهة.

عادل يسرى
عادل يسرى


 

التدريب قبل البطولة

ومن أكثر الأفكار وضوحًا فى المذكرات إصرار عادل يسرى على قيمة التدريب والتخطيط، هو يروى مواقف قتالية شديدة، غير أنه يرد نتائجها إلى ما سبقها من عمل، المعركة عنده ليست اندفاعًا لحظيًا، والشجاعة وحدها لا تصنع نصرًا، وإنما تظهر قيمة الشجاعة، عندما تجد إلى جوارها إعدادًا يعرف فيه كل مقاتل مهمته، ويستوعب طبيعة سلاحه، ويدرك ما يفعله عندما تتغير الظروف تحت النيران.

لهذا تبدو إحدى أهم رسائل الكتاب فى تلك المسافة بين الميدان ومركز التدريب، ما يظهر يوم الحرب فى دقائق قد يكون حصيلة شهور وسنوات، الجندى الذى يقف أمام دبابة لا يصنع قراره فى اللحظة وحدها، وراءه معرفة اكتسبها، وعقيدة قتالية تشكلت، وتكرار للتدريب جعله قادرًا على التصرف عندما أصبحت الطلقات حقيقية.

وفى خطاب الكتاب، تظهر عبارتا «التدريب» و«التخطيط» باعتبارهما مفتاحين أساسيين لفهم ما يريد البطل عادل يسرى قوله، وحين يتحدث عن مواجهة الدبابات الإسرائيلية، فإنه يقدم جنوده وقد جرى إعدادهم نفسيًا ومهنيًا للتعامل مع الاختراق المدرع باعتباره فرصة يمكن اصطيادها، لا خطرًا يشل الحركة.. هنا يتشكل الفارق بين الاستعداد للحرب وانتظارها.
 

العبور.. لحظة جاءت بعد ست سنوات

عندما يصل الكتاب إلى السادس من أكتوبر، يكون القارئ قد قطع مع صاحبه الطريق الذى سبق الحرب، ولذلك تأخذ لحظة العبور معناها الكامل، القناة التى بدت لسنوات حدًا يفصل القوات المصرية عن سيناء تصبح ممرًا، والضفة الشرقية التى ظلت تحت الاحتلال تتحول إلى أرض يعود إليها الجنود بالسلاح.
كان عادل يسرى وقتها قائد اللواء 112 مشاة فى الفرقة 16 مشاة، وفق شهادات عسكرية منشورة وقوائم قادة حرب أكتوبر، واشتهر تشكيله باسم «لواء النصر»، ويربط عدد من زملائه بين أداء اللواء وبين العمق الذى حققه شرق القناة والخسائر التى أوقعها فى القوات الإسرائيلية، ويقدم الكتاب هذه المرحلة من داخل حركة الرجال على الأرض، بما فيها ضغط الوقت وصعوبة الرمال ومواجهة الدبابات والطيران والنيران. 

وحين يوضع هذا الجزء إلى جوار فصول حرب الاستنزاف يتضح البناء الحقيقى للمذكرات، عادل يسرى لا يسرد يومًا منتصرًا منفصلًا عن مقدماته، وإنما يعيد الحرب إلى جذورها، رأس الكوبرى الذى تحقق شرق القناة فى أكتوبر يأتى فى نهاية سلسلة طويلة من المحاولات والتجارب والتدريب والخسائر والتصحيح، وبذلك تصبح كلمة «رحلة» فى العنوان دقيقة، فنحن أمام انتقال جسدى فوق الأرض، وانتقال نفسى وعسكرى من حالة إلى أخرى.
 

8 أكتوبر.. لحظة الامتحان

يدخل بنا عادل يسرى إلى تفاصيل يوم 8 أكتوبر من سنة 1973 نتحرك معه فى مواجهة جيش الاحتلال ومحاصرة دباباته، ونشعر من خلال كلماته بقوة الجيش المصرى وتدريبه الجيد، وهنا تظهر أهمية التدريب وأهمية التخطيط.

«لقد غرست عقيدة فى جنودى، أن دبابات العدو المخترقة هى بمثابة وجبة دسمة لرجال جائعين، إذا كان دفاعنا بعمق».

يعكس هذا الخطاب الثقة التى كانت تسيطر على الجنود المصريين، وهى ليست ثقة عمياء، لكن ثقة أصلها الإيمان بالحق والعمل الجيد.

ونصل مع عادل يسرى الذى يصول ويجول بين جنوده إلى اللحظة الخطرة فى القصة، لحظة الإصابة التى يفخر بها ويعدها وسامًا على صدره ودليلًا على قيامه بدوره:

«وفجأة أسمع صوت انفجار عنيف، وأرى للحظات ضوءًا مبهرًا ثم أقع على الأرض وسط عاصفة ترابية عنيفة، وهى لحظات.. لحظات خاطفة كالوميض، ثم أمد يدى إلى ساقى اليمنى فلا أجدها لقد طارت، أصابتنى طلقة دبابة كاملة لاحتراق الدروع، طلقة لا شظايا لها تسمى «سابو».

الخطاب هنا يقدم قيمتين، قيمة التضحية وقيمة الشجاعة، وقد دلل على هاتين القيمتين من خلال المشهدية، لقد جعلنا نتخيل المشهد، وأثار فى داخلنا محفزات بصرية، وجعلنا ندخل فى قلب المشهد، ونرى الطلقة المقبلة قبل أن تصيبه، ودفع فى أذهاننا بحالة شعورية لا يمكن وصفها بالتحديد، لكن تذكرنا بما نشاهده فى الأفلام العالمية عن الحرب، فبعد الضجيج يصمت كل شىء فجأة، قبل أن يعود الضجيج مرة أخرى ونكتشف الأثر.

أما الشجاعة فليس هناك أكثر من أن يمد عادل يسرى يده فيعرف أن قدمه «طارت»، على حد قوله، وفى الوقت نفسه يكون مدركًا لكل ما يحدث حوله حتى نوع الطلقة التى توجهت إليه وأصابته، هذا ما يؤكده قوله بعد ذلك «وانتابنى هدوء غريب كأنه السكينة على قلبى، وصفت الرؤية أمامى وأنا راقد على الأرض».

لدينا قيمة جديدة تظهر هنا هى «القدرة على التحمل»، يقول عادل يسرى: «وكلما زاد نزيف الدماء، أخذت حفنات أخرى من الرمال لأوقف النزيف، حتى أصبح الجرح كومة من الدماء والرمال، وكان على قرب منى يرقد عمال الأجهزة اللاسلكية المترجلون فى انتظار أوامرى» ، هذا الموقف كاشف عما يحكيه الإنسان إذا كان مقام الحكى متعلقًا بالمواقف العظيمة، وما أقصده أن هذا موقف عظيم سيظل يتذكره الجنود طوال حياتهم، أن قائدهم مصاب مبتور الساق ومع ذلك لا يغادر الموقف، إنما يلقى الأوامر ويقود الفريق، سيظل الجنود يتذكرون هذا المشهد ويروونه فى كل مكان، فهو مشهد خالد لا يموت أبدا.

يقول عادل يسرى: «ورفعت رأسى للسماء، أشكر الله أن حقق لى نعمة التضحية من أجل مصر».. هذه الجملة دالة على أشياء كثيرة لا يمكن حصرها بسهولة. إنها الوطنية فى أبهى صورها وقمة التعبير عنها، والرضاء بالتضحية من أجل الوطن، بل هنا زيادة عن الرضاء إنه شكر الله على النعمة.

فقدت ساقى وكسبت النصر

وسط هذه اللحظة تأتى العبارة التى تختصر رؤية عادل يسرى لما حدث «لقد فقدت ساقى، ولكن كسبت نصرًا عزيزًا لمصر العزيزة»، الجملة قصيرة، ووراءها منطق كامل يحكم المذكرات، قيمة الفرد موجودة والألم حاضر والتضحية حقيقية، ثم تأتى النتيجة العامة التى يرى صاحب التجربة أنها منحت هذه الخسارة معناها. 

يتعامل عادل يسرى مع الساق التى فقدها باعتبارها أثرًا من آثار المعركة، ويحتفظ فى الوقت نفسه بحقه الإنسانى فى الألم والذاكرة، ومن هنا يكتسب الكتاب صدقه، البطولة فيه لا تتحول إلى صورة منزوعة المشاعر، فالدم موجود والخوف واحتمال الموت موجودان، والجسد يدفع الثمن، ومع ذلك يظل الواجب حاضرًا حتى اللحظة الأخيرة، التى يستطيع فيها القائد إصدار أمر أو متابعة رجاله.
 

من المذكرات إلى الوثيقة

صدور الكتاب فى 1974 يمنحه أهمية إضافية، المسافة بين الحدث والكتابة قصيرة، والذاكرة لا تزال مشبعة بالتفاصيل، وأسماء الرجال والمواقع وأجواء المعركة قريبة من صاحبها، كما أن صدوره المبكر يضعه ضمن الطبقة الأولى من الكتابات التى حاولت تسجيل التجربة بعد الحرب مباشرة، قبل أن تتكاثر المذكرات والدراسات والتحليلات فى العقود التالية.
 

ما الذى يبقى من «رحلة الساق المعلقة»؟

بعد أكثر من نصف القرن على حرب أكتوبر، تبقى قيمة الكتاب فى أنه يعيد القارئ إلى الطريق، لا إلى النتيجة وحدها، النصر حدث فى السادس من أكتوبر، غير أن صناعته بدأت قبل ذلك بسنوات، وعادل يسرى يكتب هذه السنوات من موقع رجل عاشها مرحلة بعد أخرى.

من رأس العش، حيث بدأت إشارات استعادة الثقة بعد يونيو، إلى حرب الاستنزاف بما حملته من تدريب ومواجهة، إلى لحظة العبور، ثم معارك تثبيت رأس الكوبرى، يصل القارئ فى النهاية إلى العربة المدرعة التى بدأ منها الكتاب، القائد الجريح راقد فى الخلف، السماء فوقه، وسيناء حوله، وساقه المبتورة قريبة منه، بينما يستعيد ما جرى.

هنا تكتمل الدائرة.. المشهد الذى بدا فى الصفحة الأولى قصة إصابة شخصية يتحول فى نهاية القراءة إلى اختصار لرحلة كاملة، الجسد يحمل أثر الحرب، والذاكرة تحمل تفاصيلها، والكتاب يحفظ الاثنين معًا.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة