حنان يوسف

رؤية لتطوير التعليم العربي لدعم ثقافة السلام

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 02:49 ص


في ظل الدعوات المتكررة لتطوير المنظومة التعليمية  العربية، فإن الأمر الأكثر أهمية هو ضرورة إعطاء العناية نحو تطوير وتحديث مناهجها بالشكل الذي يساعد في تحقيق مسئوليتها المجتمعية في خدمة الوطن من خلال تنشئة الملايين بالفكر والمعلومة وبناء شخصياتهم الإنسانية التي تصلح لمواجهة كل هذه التحديات التي يموج بها العالم، وبصفة خاصة سيطرة أنماط الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا علي صناعة المشهد محليا واقليميا ودوليا.

وهنا ينبغي دعوة هذه المؤسسات التعليمية إلى مراجعة مناهجها التعليمية واستحداث الجديد منها، وبصفة خاصة مقررات تدعو إلى تعزيز ثقافة السلام المجتمعي ونشر قيم التسامح ومنع العنف لما لهذه المقررات من فائدة كبري في تأهيل  الطلاب نحو المشاركة المجتمعية بالصورة المأمولة.

وأشارككم عبر هذه السطور رؤيتي المتواضعة في هذه الدعوة لتطوير التعليم لدعم ثقافة السلم المجتمعي.

فمع دخول أهداف التنمية المستدامة حيز التنفيذ فإن هناك التزام دولي متجدد بإنهاء الفقر العالمي وتفاؤل بتحقيق ذلك خلال العقدين القادمين. وفي الوقت نفسه، هناك قلق متزايد من أن النزاعات طويلة الأمد وزيادة الكوارث الطبيعية يهددان بإضاعة المكاسب التي تحققت حتى الآن.
وفي ضوء الهدف (16) من أهداف التنمية المستدامة بشأن تعزيز المجتمعات السلمية والشاملة للجميع، وكذلك الهدف (4) (التعليم عالى الجودة الشامل للجميع والعادل)، والهدف (5) (المساواة بين الجنسين)، والهدف (8) (العمل اللائق والنمو الاقتصادي)، والهدف (10) (الحد من انعدام المساواة)، فإن هناك ضرورة عالمية قوية لفهم الصلة الأساسية بين نتائج التنمية البشرية الإيجابية وإنهاء دورات الصراع والعنف المتكررة.

ومع ذلك وعلى الرغم من إسهام البرامج المعترف به في استعادة الاستقرار في أعقاب العنف، فلا يوجد فهم مشترك لكيف يمكن على وجه الدقة أن يساعد تصديها للخدمات الإدارية والاجتماعية في بناء السلام.

وقد اُستخدِمَت الخدمات الاجتماعية في مجال التعليم في السابق بوصفها وسيلة لتحفيز الصراع وبناء السلام على حد سواء. فالتعليم يصبح محركًا للنزاع عندما تصبح الخدمات التعليمية متاحة للبعض فحسب وليس للجميع.
وعندما تكون خدمات التعليم ضعيفة الجودة ولا علاقة لها بالقابلية للتوظيف أو القدرة على التكيف بفعالية في الظروف الصعبة، وعندما تفضي وسائل التعليم وأدواته إلى عدم الاحترام أو التمييز، فإن التعليم يتحول تلقائيًا إلى أداة للانقسام. ومن ناحية أخرى، فإن الخدمات التعليمية التي تكون متاحة على نحو منصف، والتي تكون جيدة الجودة ومناسبة، والتي تعزز من وجود رؤية مشتركة، والتي تقوي العلاقات والهوية؛ والتي تدار بشكل عادل في تعليم الجماعات المكونة تعزز التلاحم الاجتماعي العمودي والأفقي.

فلاشك أن التعليم يلعب دوراً هاما فى تعزيز ونشر ثقافة السلام، ونشر الاحترام تجاه الآخرين، وتمكين الشباب من اكتساب قيم المواطنة الفعالة، والتسامح والحوار بين الثقافات، وتعميق الفهم المتبادل.

فالتربية هى أحد المجالات الرئيسة لنشر ثقافة السلام وتعزيزها، ويتأكد ذلك فى إعلان المبادئ حول التسامح لعام 1995 حيث تنص المادة الرابعة منه على أن ”التربية هى الأداة الأكثر فاعلية للوقاية من التعصب، وأول خطوة فى هذا الإطار.
 ويمكن لسياسة وتخطيط قطاع التعليم المساهمة في بناء سلام مستدام من خلال: إعادة التوزيع (التوزيع العادل للوصول إلى التعليم، والموارد، والفرص)؛ والاعتراف (احترام التنوع والهوية من خلال التعليم)؛ والتمثيل (ضمان المشاركة العادلة في صنع القرار على جميع المستويات)
وتقف الحكومات، في ظل التغيرات العميقة التي يشهدها عالم اليوم، عاجزة عن فرض السلام الاجتماعي بدون اللجوء إلى مساعدة العديد من المؤسسات الاجتماعية وعلى رأسها المؤسسة التعليمية. حيث إن عملية تأهيل الطلاب فكرياً وعلمياً، ليس هو المُخرج الوحيد للعملية التعليمية، بل هناك مُخرج أهم لكن قليلاً ما يتم الانتباه إليه، وهو تشكيل السلوك والأخلاق العامة.
وعلى الرغم من أن هذا المُخرج هو ناتج لعملية معقدة يشترك فيها عدد هائل من العوامل ، إلا أن التعليم ظل وسيظل اللاعب الأهم والعامل الأكثر حسماً. ذلك لأن البيئة الدراسية والمناهج التعليمية وأساليب تقديم المادة العلمية، والعلاقة التي تربط الاستاذ والطالب والطلاب بعضهم ببعض، كلها تلعب دوراً عظيماً في تشكيل رؤي الدارسين في طرق حل المشكلات التي تواجههم وفي اختيار تفضيلاتهم وقيمهم وتكوين شخصياتهم.

نحاول في هذا المقال شرح مفهوم السلام الاجتماعي والعلاقة بينه وبين التعليم.
ويلعب التعليم دورا جوهرياً في تحقيق درجة عالية من التعافي الاجتماعي. ولكن على النقيض من ذلك، يمكن للسياسات التعليمية توليد المزيد من الانشقاقات والتصدعات في النسيج الاجتماعي أيضاً، فهو كالسلاح ذو الحديْن، وذلك لأنه مرتبط بتشكيل الهوية والثقافة والتعامل مع الإنسان فكرياً ونفسياً. لذا يجب توخي الحذر، والإعداد الجيد والمتكامل والمتين والرشيد لهذه العملية.
إن تصرفاتِنا ناتجة عن فكرنا وطريقة فهمِنا وأسلوب استجابتِنا للمواقف التي تواجهنا في هذه الحياة. وصياغة الفكر عملية معقدة جداً، تؤثر فيها عوامل كثيرة ومتداخلة منها على سبيل المثال لا الحصر، الإرث الثقافي والحضاري، الظروف الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السائدة في المجتمع، الحياة الأسرية، المؤثرات الخارجية خاصة وسائل الإعلام سواءً أكانت مقروءة أو مسموعة أو مرئية.

ويظل للمؤسسات التعليمية الدور الأبرز والأهم في التأثير والتأثر. إن إصدار قرارٍ بمنع الضرب في المدارس، أو إضافة مقرر يتحدث عن السلام، أو عن مساوئ العنف، لن يكون كافياً لإصلاح المنظومة التعليمية وتوجيهها نحو تكريس ثقافة السلام، فالأمر أكثرُ تعقيداً من ذلك. وكما هو معلوم، فإن تأهيل الطلاب علمياً، ليس هو المُخرَجَ الوحيد للعملية التعليمية، بل إن تشكيل السلوك والأخلاق العامة، من أهم المخرجات التي لا يتم الانتباه إليها في كثير من الأحيان، للأسف الشديد.
السِّلم الاجتماعي مفهوم عميق، إنه ببساطة، العيش بسلام ومحبة واحترام وقبول للآخر، وأن تحب للناس ما تحب لنفسك، وعدم الإحساس بالظلم أو الإقصاء أو التهميش، والانتماء إلى لُحمة المجتمع بشكل يصبح فيه من الصعب القيام بسلوكيات تؤدي بشكل مباشر إلى هدم النسيج الاجتماعي أو إحداث تشوهات متعمدة فيه. هو القناعة بأن أفراد ومكونات المجتمع تركبُ سفينة واحدة غرقها يعني غرق الجميع. و يرتبط السِّلم الاجتماعي بصفة أساسية بالسياسات والاتجاهات التي تتخذها الحكومات، لذا فإن إجراء إصلاحات تعليمية بغرض تحقيق السلام والتوافق الاجتماعييْن، هي إجراءات سياسية بالدرجة الأولى. فلا معنى لتعليم الطلاب العدالة والحرية ونبذ الظلم وتحكيم الحق، واحترام القانون، وهم يعيشون في ظل حكومة تقوم على المحاصصة على أساس المذهب أو الطائفة أو العشيرة أو القبيلة أو...، إن ذلك يؤدي إلى الانفصام عن الواقع وفقد الثقة في الأنظمة السياسية، والانجراف نحو العنف، أو العيش في ظل القهر والفقر والضياع وفقدان الأمل
من هنا نرى أنه يجب وضع السياسة والمناهج التعليمية ضمن خطة شاملة لإصلاح كل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

والمعلم، هو أهم عنصرٍ من عناصر العملية التعليمية والتربوية، ومقومٌ أساسيّ من مقومات نجاحها، حيث يؤدي دوراً مهماً ووظيفة أساسية في إيجاد المناخ المدرسي الملائم. تؤثر شخصية المعلم وثقافتُه وخبرته وأساليب تعامله ونوع علاقاته مع طلابه بدرجة كبيرة على سلوكيات الطلاب وأخلاقهم وتصرفاتهم. ومما يجعل المعلم مساهما محوريا وفاعلا أساسيا في تعزيز السِّلم الاجتماعي والتعايش، هو مدى تمسكه بأخلاقيات مهنته والنهوض بأعباء مسؤولياتِه الجسيمة.
من هنا، يجب التركيز على إعداد المدرسين والحرص على اختيارهم واستيعابهم وتنفيذهم للعملية التعليمية التعلُّمية على أكمل وجه.
يجب تطوير العملية التعليمية والمناهج كمَّا وكيفاً ونوعية التعليم، والجودة والإتقان فيجب أن يخلق التعليم لدى الطالب مستوى عالٍ من القدرة التنافسية على المستويين المحلي والعالمي. ويجب أن يرتبط بسوق العمل والنمو الاقتصادي للدولة، كي يوفر فرص عمل للطلاب بعد التخرج، ويمكّنهم من القدرة على التعلم الذاتي المستمر من أجل التطور الوظيفي، وبناء الوطن.  فإن الكثير من الصراعات ترتبط بشكل أو بآخر بالوضع الاقتصادي والفقر والبطالة وعدم وجود الفرص.
ويجب أن يكون التعليم أسلوب حياة، ومهارات للتفكير وبناء للقيم، أي أن التعليم ليس مناهجاً و كتباً، ولكنه ممارسة وخبرة. إنها الطريقة التي يتم بها التعلم، وهي أهم بكثير من محتوى المنهج والتعلم ذاته.

وتعزيز القيم من أجل السلام الإنساني، فقد يختلف الناس في الدين والعِرق واللون واللغة والبلد، ولكنهم يشتركون في القيم الإنسانية العامة، وهي تمثّل حلقة الوصل بينهم، وتلك (القيم) هي المفاهيم المحورية التي ينبغي قيام المناهج المدرسية عليها، لتفعيلها في سلوك الطلبة اليومي، ويجب أن يكون المدرس والأستاذ الجامعي قدوة حسنة لطلابه، عليها الطلاب عملياً في كل الممارسات وليس فقط نصوصاً ومطبوعات تحفظ لتجاوز الاختبار، ثم يتم رميُها فيما بعد والعمل بعكسها.
حيث يجب فتح باب الحوار في المدارس، وتكريس الطاولة المستديرة بين الطلبة، وبين الطلبة والمدرسين، وتشجيع التعلم التطبيقي والتجريبي، للتشجيع على حرية التفكير والنقد، والتفكير الإبداعي والعمل الجماعي. 

وهناك حالة ماسة للعمل التطوعي و المسؤولية المجتمعية لمنظمات المجتمع المدني فيجب أن تغذي المناهج هذه القيم من خلال استعادة الثقة بالنفس والاعتزاز بالذات والتربية على القيم الإنسانية الـمُثلى.
ونشر المحبة والسلام والتسامح بين فئات المجتمع، وتعزيز ثقافة العمل الجماعي من خلال المشاركة الفعلية.
وإعداد كوادر عالية المستوى مؤهَّلة في جميع التخصصات العلمية والمعرفية والمهنية.
والحرص على الجودة واتقان وتجويد العمل.
وتعزيز الحرية ومبادئ الكرامة الإنسانية والمساواة.
تعزيز المسؤولية المجتمعية والتشجيع على العمل التطوعي والخيري.
وذلك من خلال انتقاء وتدريب وإعادة تأهيل المدرسين والمُربِّين.
وإعادة صياغة المناهج العلمية والمقرّرات الدراسية، وخاصة التطبيقية منها وإعادة صياغة المناهج الإنسانية لتعزيز الثقة بالنفس، والاعتزاز بالذات وإشاعة المحبة واحترام كرامة الإنسان.
وإنشاء مراكز عالية المستوى للتدريب والتكوين المهني، تتمتع بالجودة وتحرص على تعليم الدقة والجودة والإتقان في العمل.
والاهتمام بمناهج التاريخ العربي ونشر وتطبيق القيم والأخلاق الإنسانية النبيلة من خلال الممارسة في المدارس.
 و تعليم الأفراد معرفة حقوقهم وحرياتهم لضمان احترامها، ولحماية حقوق وحريات الآخرين.
والتربية على التسامح ينبغى اعتبارها واجباً أولياً، لذلك من الضرورى تطوير مناهج نظامية عقلانية لتعليم التسامح على أساس التركيز على المصادر الثقافية، والاجتماعية والاقتصادية، والسياسية والدينية للتعصب، والتى تشكل الأسباب العميقة للعنف والإقصاء.

وسياسات وبرامج التربية يجب أن تساهم فى تنمية التفاهم والتضامن والتسامح بين الأفراد وكذلك بين الجماعات وبين الأمم، والهدف هو تكوين مواطنين متضامنين ومسئولين متفتحين على الثقافات الأخرى، قادرين على اتقاء النزاعات أو حلها بوسائل سليمة.

لقد أصبح التعليم من أجل نشر ثقافة السلام والتسامح ومنع العنف ضرورة حتمية فى الوقت الراهن، فالعالم يموج بمتغيرات كبيرة ومتسارعة، وأصبح فى حاجة لتحقيق السلام والقضاء على الصراعات، كما أن بلدنا مصر تمر فى المرحلة الحالية بتغيرات نوعية وكبيرة تستلزم دعم ثقافة السلام وبناء السلام والتعايش داخل المجتمع المصرى لتحقيق التنمية المستدامة.

وهذا يستلزم تضمين مفاهيم السلام والتسامح ونبذ العنف والتعايش المجتمعى فى البرامج التعليمية بالمراحل المختلفة.
ويأتى الإهتمام بدور التعليم والمؤسسات التربوية فى نشر وتعزيز ثقافة السلام، كون الشباب بالجامعات وطلاب المدارس يشكلون الشريحة الأكبر والأوسع إنتشارا والأكثر تأثيرا فى مستقبل الأمة ، وهم فى هذه المراحل العمرية لديهم إستعداد لتقبل وتلقى الافكار والتفاعل معها، ما يؤسس إلى قبول التعددية والتنوع والاختلاف.

ذلك لأن ثقافة السلام تجعل من تحقيق السلام أمراً ممكناً ، وتكون دافعاً للجوء الى اللاعنف والحوار والتفاهم والتفاعل فيما يخص المشتركات وتنميتها، عندما تكون هذه الثقافة مترسخة في بنية المجتمع وهذه البنية تبدأ بالمدارس والجامعات لتنتشر في المجتمع ككل.

فالتعليم يعمل علي تطوير القيم والمهارات المطلوبة للتعايش السلمي مع الآخرين، والتعليم بشقيه النظامي وغير النظامي، والتعليم الديني، وكل أشكال التعليم تزكى المحبة والإحترام بين الناس ، كما يمكن الأفراد من تشكيل بئيتهم والقيام بتأثير إيجابى فى العالم من حولهم.

فالتنشئة على ثقافة السلام تعلم الطلاب كيفية إدارة المواقف الصراعية بشكل مبدع وأقل عنفاً ، وتمدهم بالوسائل اللازمة لتحقيق ذلك وتطبيقه فى الواقع.

فالهدف ليس إعداد مناهج وكتب تهتم بالسلام بل إنتاج وبناء السلام من خلال مجموعة من النشاطات والفعاليات العملية التى تهدف فى النهاية إلى غرس قيم السلام الاجتماعي الركيزة الاساسية نحو بناء مجتمع صحي متماسك قادر علي مواجهة التحديات الحالية والانطلاق نحو المستقبل المشرق.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة