خالد دومة يكتب: قوة السحر

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 12:03 ص
خالد دومة يكتب: قوة السحر خالد دومة

إننا حين نؤمن بالسحر بالصورة التي يؤمن بها كثير من الناس؛ أي باعتقاد أنه يستطيع أن يتدخل في مقادير البشر، فيعطل رزقًا، أو يمنع زواجًا، أو يفسد علاقة، أو يجلب مرضًا أو ضررًا، فإننا نضع أنفسنا أمام تناقض كبير مع إيماننا بمشيئة الله وقدره.

فكيف يؤمن الإنسان بأن أمر حياته بيد الله، ثم يعتقد في الوقت نفسه أن ساحرًا يستطيع أن يتدخل في هذا الأمر، فيغير مجرى حياته متى شاء؟
إن المسألة لا تقف عند حدود الجهل أو قلة التعليم. فهناك أناس متعلمون يقرون بهذه الأفكار قبل غيرهم، ويتوارثونها كما يتوارثون كثيرًا من العادات والمعتقدات، دون أن يتوقفوا لحظة ليسألوا: أين الحقيقة؟ وأين الوهم؟ وما الذي يقبله العقل وما الذي يرفضه؟
وهنا تكمن المشكلة الأكبر؛ فالأوهام حين تستوطن العقول لا تبقى أفكارًا عابرة، وإنما تتحول إلى طريقة في تفسير الحياة.
امرأة تجد شيئًا غريبًا ملقى أمام بيتها فتظنه سحرًا لبناتها. رجل يصاب بصداع فيبحث عن شخص يتهمه بالحسد. آخر يمرض أحد أبنائه فيربط مرضه بعين أصابته. شخص يتعثر في عمله، وآخر يفشل في زواجه، وثالث يخسر ماله، فيبحث كل واحد منهم عن سبب خارجي يعلّق عليه ما حدث.
وهكذا تصبح المصادفات اليومية في حياة الناس أدلة على السحر والحسد.
لا يعود المرض مرضًا يحتاج إلى طبيب، ولا الفشل نتيجة أسباب تحتاج إلى مراجعة، ولا الخلاف الزوجي مشكلة تحتاج إلى فهم وعلاج، ولا الخسارة نتيجة أخطاء ينبغي اكتشافها؛ بل يصبح وراء كل ذلك شخص خفي: عين، أو حسد، أو سحر.
وكأن الناس جميعًا يتركون أعمالهم ويتفرغون لمراقبة الآخرين: ماذا فعل فلان؟ ماذا أكل؟ ماذا اشترى؟ ولماذا نظر إليّ بهذه الطريقة؟
إنها حياة تدور في فلك الشك والخرافة.
وفي المجالس التي يفرغ فيها الناس من أعمالهم، تجد أحاديث السحر والحسد حاضرة، وكل واحد يتحدث وكأنه يملك «الخبر اليقين». يتحول الظن إلى حقيقة، والاحتمال إلى يقين، والشك إلى اتهام.
وهنا تقع الكارثة النفسية.
فالإنسان قد يفضل أحيانًا تفسيرًا وهميًا يريحه على مواجهة الحقيقة التي قد تكشف أخطاءه أو عجزه أو تقصيره. فإذا فشل، لم يسأل نفسه عن أسباب الفشل؛ وإذا خسر، لم يراجع قراراته؛ وإذا تعثرت حياته الزوجية، لم يحاول أن يفهم أسباب التعثر؛ وإذا عجز عن تربية أبنائه، لم يبحث عن موطن الخلل.
إنه يبحث عن قوة خارجية يعفي بها نفسه من المسؤولية.
فيقول: فلان حسدني.
ثم يبدأ في قراءة نظرات الناس وكلماتهم وتصرفاتهم من خلال هذه الفكرة. النظرة العادية تصبح عينًا، والكلمة العابرة تصبح علامة، والابتعاد يصبح مؤامرة، والاختلاف يصبح رغبة في الإيذاء.
وهكذا يصنع الإنسان عدوًا في خياله، ثم يبدأ في التعامل معه باعتباره حقيقة.
قد لا يحتاج هذا العدو إلى وجود مادي أصلًا؛ يكفي أن تمتلئ النفس بالخوف منه حتى يبدأ في التأثير في حياة صاحبه.
وهنا يصبح الوهم أقوى من الواقع.
فالسحر، في تصور هؤلاء، قد يبدو قوة هائلة تتحكم في البشر، بينما تكون القوة الحقيقية في كثير من الأحيان فيما يفعله الاعتقاد نفسه بعقولهم ونفوسهم. حين يؤمن الإنسان بأن كل مصيبة يمكن أن يكون وراءها ساحر أو حاسد، فإنه يعيش في حالة ترقب دائم، ويعيد تفسير كل حدث وفق هذا الاعتقاد.
وهذا يفتح بابًا خطيرًا: أن يصبح الإنسان أسيرًا لما يخشاه.
إن الإيمان بالقدر لا يعني أن الإنسان يترك الأسباب أو يتخلى عن البحث عن العلاج والعمل والإصلاح، وإنما يعني ألا يمنح بشرًا سلطة مستقلة على مصيره.
فإذا علق الإنسان رزقه وصحته وزواجه ونجاحه وفشله على إرادة ساحر أو حاسد، فإنه لا يهدد حياته النفسية وحدها، بل يدخل في تناقض عميق مع مفهومه عن مشيئة الله وقدره.
لا أحد يملك قدرًا مستقلًا ينازع به قدر الله.
ومن هنا ينبغي أن نفرق بين الإيمان الديني وبين الخرافة التي تتسلل إليه من عادات المجتمع ومخاوفه. فالإيمان لا يعفي الإنسان من التفكير، ولا يمنعه من البحث عن الأسباب الحقيقية لما يصيبه، ولا يحول كل مجهول إلى سحر، وكل مصيبة إلى حسد، وكل فشل إلى مؤامرة.
إن الأخذ بالأسباب لا يناقض الإيمان بالقدر، بل هو جزء من المسؤولية الإنسانية.
أما أن نجعل كل حركة في حياتنا مرهونة بساحر مجهول، وكل نجاح معرضًا للحسد، وكل إخفاق نتيجة لعين، فمعنى ذلك أننا نسلم حياتنا للوهم.
والإنسان هنا لا يحارب الآخرين فقط؛ بل يحارب نفسه.
يهدم أمنه النفسي بيديه، ويعيش خائفًا من كل نظرة، مرتابًا من كل كلمة، متوجسًا من كل شخص، منتظرًا ضررًا قد لا يأتي أبدًا.
وهكذا تتحول الخرافة من فكرة في العقل إلى سجن في الحياة.
إن أخطر ما في الوهم ليس أنه كاذب فحسب، وإنما أنه يستطيع أن يجعل الإنسان يتصرف على أساس أنه حقيقة.
وحين يصبح الشك يقينًا بلا دليل، والخوف حقيقة بلا برهان، والاتهام حكمًا بلا بينة، فإن الإنسان لا يعود بحاجة إلى ساحر يؤذيه؛ لقد أصبح هو نفسه أسير السحر الذي صنعه في عقله.
تلك هي عبودية الوهم: أن تمنح شيئًا لا تملك عليه دليلًا سلطةً على حياتك، ثم تعيش خائفًا منه كأنه يملك مصيرك.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة