حسين يوسف

حرب أكتوبر.. حكاية وطن عبر من ضفة الهزيمة إلى شاطئ النصر

الثلاثاء، 06 أكتوبر 2026 08:00 ص


هناك أيام تمر على الأوطان مثل غيرها، وأيام تدخل التاريخ من أوسع أبوابه، والسادس من أكتوبر واحد من تلك الأيام التي لا يكفي أن نتذكر تاريخها، لأن قيمتها أكبر من مجرد رقم في التقويم، إنه اليوم الذي عبرت فيه مصر قناة السويس، وعبرت معها إلى مساحة جديدة من الثقة والاعتزاز والقدرة، لتثبت أن إرادة الشعوب حين تتحول إلى عمل وتخطيط وإيمان تستطيع أن تصنع ما يبدو مستحيلًا.

لم تولد حرب أكتوبر في صباح السادس من أكتوبر، وإنما ولدت قبل ذلك بسنوات، في غرف التخطيط، وميادين التدريب، وعلى ضفاف القناة، وفي صمت رجال كانوا يعرفون أن المعركة المقبلة تحتاج إلى عقل بقدر ما تحتاج إلى شجاعة، لم يكن العبور مجرد عملية عسكرية دقيقة، وإنما كان ملحمة مصرية شارك في صناعتها جيل كامل من الرجال؛ رجال حملوا السلاح، ورجال خططوا، ورجال أعدوا، ورجال وقفوا خلف المقاتل المصري وهم يعرفون أن المعركة ليست على إعادة الأرض فقط، وإنما على حق وطن في أن يعيش عزيزًا مرفوع الرأس.

كانت الساعة الثانية ظهرًا أكثر من مجرد موعد لانطلاق الهجوم؛ كانت موعدًا مع واحدة من أعظم اللحظات في التاريخ العسكري المصري، عبرت القوات قناة السويس، واقتحمت المواقع والتحصينات، وأقامت الكباري، وفتح المهندسون العسكريون الثغرات في الساتر الترابي، لتتحول الضفة الشرقية للقناة إلى مسرح لبطولة مصرية ستظل الأجيال تتعلم منها معنى الإصرار والدقة والشجاعة.

وسقط خط بارليف، ليس فقط كتحصينات عسكرية، وإنما كفكرة ظن أصحابها أنها عصية على الاختراق، لكن الجندي المصري أثبت أن القوة الحقيقية لا تقاس بارتفاع الساتر الترابي ولا بسمك الخرسانة، وإنما بعقل يعرف كيف يخطط، ويد تعرف كيف تنفذ، وقلب يعرف أن الأرض التي يدافع عنها تستحق كل تضحية.

وفي أكتوبر، كان العلم المصري يسبق الكلمات؛ ارتفع فوق سيناء ليقول إن هذه الأرض لها أصحاب، وإن الوطن حين يستدعي أبناءه يجدهم في الموعد.

ولم يكن النصر إنجازًا عسكريًا مصريًا فحسب، بل كان لحظة أعادت صياغة كثير من الحسابات في المنطقة، وأثبتت أن الأمة العربية قادرة على الفعل حين تمتلك الإرادة والإعداد والرؤية. ومن قلب المعركة بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، انتهت بالنسبة لمصر باستعادة سيناء كاملة، وصولًا إلى عودة طابا إلى السيادة المصرية.

لقد كان النصر العسكري نقطة تحول في الصراع العربي الإسرائيلي، وفتح الطريق أمام مسار سياسي ودبلوماسي انتهى باستعادة مصر لسيناء، وصولًا إلى اكتمال الانسحاب الإسرائيلي عام 1982، ثم استعادة طابا عام 1989. لكن الأثر الأعمق ظل معنويًا؛ لقد عرف المصريون أن الهزيمة ليست نهاية، وأن الأمم الراسخة منذ فجر التاريخ تستطيع أن تعيد بناء قوتها، وتتغلب على كل الظروف، وتنتصر على أي معوقات.

نعم، لقد عبر المصريون القناة، لكن مصر عبرت أبعد من ذلك؛ عبرت من الخوف إلى الثقة، ومن جرح الهزيمة إلى استعادة الكرامة، ولذلك سيظل السادس من أكتوبر أكثر من يوم في التاريخ؛ سيظل يومًا استردت فيه مصر أرضًا، واستعادت معه روحًا، وكتبت للأمة العربية صفحة تقول إن التاريخ لا يمنح مجده لمن يستسلم، وإنما لمن يملك شجاعة النهوض.

لكن أجمل ما في أكتوبر أن البطولة لم تكن حكرًا على أسماء يعرفها التاريخ؛ البطولة كانت في كل جندي مجهول، وفي كل ضابط أدى مهمته، وفي كل مهندس فتح ثغرة، وفي كل طبيب أنقذ مصابًا، وفي كل أسرة وقفت خلف ابنها وهي تعرف أن الوطن يستحق التضحية.

ولهذا فإن الاحتفال بأكتوبر ليس احتفالًا بانتصار مضى، وإنما احتفاء بقيمة باقية؛ أن مصر حين تتسلح بالعلم والإرادة والانضباط تستطيع أن تعبر أصعب المراحل، وأن أبناءها حين يؤمنون بقضيتهم يستطيعون تحويل الأحلام إلى واقع.

وفي هذه الذكرى العظيمة، تبقى تحية واجبة للرئيس الراحل أنور السادات، قائد قرار الحرب وصاحب الرؤية التي أدركت أن استرداد الأرض يحتاج إلى قرار شجاع، وإعداد طويل، وإرادة تعرف متى تتحرك وكيف تتحرك، وتبقى التحية الأكبر لكل ضابط وجندي في القوات المسلحة المصرية، لكل من عبر القناة، ولكل من حمل سلاحه على أرض سيناء، ولكل من عاد إلى بيته حاملًا راية النصر، ولكل شهيد ترك خلفه ذكرى عطرة واسمًا لا يغيب عن وجدان الوطن.

كل عام ومصر عزيزة قوية، وكل عام وجيش مصر العظيم بخير، وكل التحية والتقدير لأبطال القوات المسلحة من ضباط وجنود، ولأرواح شهداء أكتوبر الذين كتبوا بدمائهم واحدة من أنصع صفحات التاريخ المصري.

وفي ذكرى العبور، تبقى الرسالة الأجمل:

مصر لا تنسى أبطالها، والتاريخ لا ينسى من صنعوا المجد، ويبقى أكتوبر شاهدًا على أن هناك لحظات لا تصنعها الأيام، بل يصنعها الرجال.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة