مع انطلاق دور الانعقاد الثاني من الفصل التشريعي الثالث لمجلس النواب، شهد حضور المعارضة داخل اللجان النوعية تغيرا تتجاوز أهميته عدد المقاعد، إلى طبيعة اللجان التي زاد تمثيلها داخلها، وفي مقدمتها لجنتا الشئون الدستورية والتشريعية والخطة والموازنة، باعتبار الأولى "بيت التشريع" داخل البرلمان، بينما تمثل الثانية ساحة "لغة الأرقام" والرقابة على الموازنة والإنفاق العام.
وتكشف مقارنة خريطة المعارضة بين دوري الانعقاد الأول والثاني عن زيادة حضورها داخل اللجنتين، بعدما ارتفع عدد النواب المحسوبين على المعارضة في "التشريعية" من 5 إلى 6 نواب، وفي "الخطة والموازنة" من 3 إلى 5 نواب، ليصل إجمالي وجودها داخل اللجنتين إلى 11 عضوا مقابل 8 في الدور الأول، وفق مقارنة قوائم العضوية بين الدورين، وبالاستناد إلى التصنيف الذي اعتمده تقرير "اليوم السابع" المنشور في يناير الماضي لخريطة المعارضة.
ولا تعني تلك الأرقام وحدها حدوث تغيير في موازين القوى داخل اللجان، في ظل عدم امتلاك المعارضة أغلبية عددية، لكنها تكشف عن زيادة حضورها داخل لجان ذات تأثير مباشر في صناعة التشريع والرقابة المالية، بما يفتح الباب أمام اختبار جديد لقدرة نوابها على تحويل الحضور العددي إلى تأثير فعلي خلال المناقشات.
"بيت التشريع" تحت المجهر.. المعارضة ترفع رصيدها من 5 إلى 6 نواب
تأتي لجنة الشئون الدستورية والتشريعية في مقدمة اللجان التي زاد تمثيل المعارضة داخلها، لما تؤديه من دور في مناقشة مشروعات القوانين المحالة إليها، وفحص المسائل الدستورية والتشريعية.
وخلال دور الانعقاد الأول، ضمت اللجنة 5 نواب محسوبين على المعارضة، هم محمد عبد العليم داود عن حزب الوفد، وعاطف المغاوري عن حزب التجمع، وضياء الدين داود مستقل، وبسام الصواف عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وحسين هريدي عن حزب العدل.
ومع إعادة تشكيل اللجان في دور الانعقاد الثاني، حافظ النواب الخمسة على وجودهم داخل اللجنة، بينما انضمت إليهم فاطمة الزهراء عادل، عضو حزب العدل، ومقدمة مشروع قانون متكامل بشأن الأحوال الشخصية، و كانت ضمن لجنة حقوق الإنسان في الدور السابق، ليرتفع عددهم من 5 إلى 6 نواب.
4 أحزاب وصوت مستقل.. تعدد سياسي داخل "التشريعية"
وبذلك تجمع المعارضة داخل "بيت التشريع" أصواتا تنتمي إلى الوفد والتجمع والمصري الديمقراطي الاجتماعي والعدل، إلى جانب ضياء الدين داود كصوت مستقل معارض.
وتضم اللجنة في الدور الثاني 33 عضوا، مقابل 29 عضوا في قوائم تشكيل الدور الأول المنشورة بتاريخ 14 يناير 2026، وهو ما يضع الزيادة العددية للمعارضة في سياق توسع إجمالي عضوية اللجنة أيضا.
ومن ثم، فإن أهمية حضورها لا ترتبط بإمكانية امتلاك قرار اللجنة منفردة، وإنما بقدرتها على تقديم تعديلات محددة وبناء توافقات حولها واستقطاب أصوات أخرى، بما يسمح بتحويل مقترحاتها إلى تعديلات تجد طريقها إلى تقارير اللجنة ومناقشات الجلسة العامة.
"لغة الأرقام".. المعارضة تعزز وجودها داخل الخطة والموازنة
ولا يقل التغير داخل لجنة الخطة والموازنة أهمية عن "التشريعية"، حيث تمثل اللجنة إحدى ساحات الرقابة البرلمانية على الأداء المالي للحكومة، وترتبط مناقشاتها بالموازنة العامة والحسابات الختامية والسياسات الضريبية والمالية والإنفاق العام.
وفي دور الانعقاد الأول، كان للمعارضة 3 أعضاء داخل اللجنة، هم عبد المنعم إمام، رئيس حزب العدل، ومحمود سامي الإمام عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، ومارسيل سمير عن حزب التجمع.
ومع بدء الدور الثاني، حافظ الثلاثة على وجودهم، وانضمت إليهم إيرين سعيد، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، وأحمد فرغلي، النائب المستقل، ليرتفع عدد أعضاء المعارضة داخل اللجنة من 3 إلى 5.
وكانت إيرين سعيد ضمن عضوية لجنة الشئون الصحية في الدور الأول، بينما كان أحمد فرغلي عضوا بلجنة الشئون الاقتصادية، قبل انتقالهما إلى "الخطة والموازنة" في الدور الثاني.
وبذلك تضم اللجنة أصواتا تنتمي إلى العدل والمصري الديمقراطي الاجتماعي والتجمع والإصلاح والتنمية، إلى جانب صوت مستقل معارض، من إجمالي 33 عضوا في الدور الثاني، مقابل 25 عضوا بقوائم تشكيل الدور الأول المنشورة في يناير.
"وكالة الخطة".. حضور يتجاوز مقاعد العضوية
ولا تقف أهمية وجود المعارضة داخل "الخطة والموازنة" عند زيادة عدد أعضائها، حيث يحتفظ عبد المنعم إمام بموقع وكيل اللجنة خلال دور الانعقاد الثاني، وهو ما يمنحها حضورا مستمرا داخل هيئة مكتب إحدى اللجان الأكثر ارتباطا بالملفات الاقتصادية والمالية.
ويمثل استمرار إمام في موقعه، بالتوازي مع انضمام إيرين سعيد وأحمد فرغلي، عنصرا إضافيا في قراءة خريطة المعارضة داخل اللجنة، وإن كان تحويل هذا الحضور إلى تأثير مشترك يظل مرتبطا بقدرة الأعضاء على التنسيق حول ملفات وتعديلات محددة.
11 مقابل 8.. زيادة 37.5% داخل اللجنتين
تكشف المقارنة المباشرة بين الدورين عن زيادة تمثيل المعارضة في "التشريعية" من 5 إلى 6 أعضاء، بزيادة عضو واحد، وفي "الخطة والموازنة" من 3 إلى 5 أعضاء، بزيادة عضوين.
وبذلك ارتفع مجموع تمثيلها في اللجنتين من 8 إلى 11 عضوا، بزيادة 3 أعضاء، تعادل 37.5% من عدد ممثليها السابق داخل هاتين اللجنتين تحديدا.
لكن قراءة هذه النسبة تحتاج إلى وضعها في سياقها؛ فهي تقيس نمو عدد نواب المعارضة مقارنة بعددهم السابق، ولا تعني حصولهم على النسبة نفسها من مقاعد اللجنتين، كما تأتي بالتزامن مع زيادة إجمالي عضوية كل منهما.
لماذا يهم الحضور داخل "التشريعية" و"الخطة"؟
يحمل الوجود داخل اللجنتين أهمية سياسية وبرلمانية خاصة، ففي "التشريعية" تدور مناقشات حول صياغة النصوص ومدى توافقها مع الدستور والبناء القانوني لمشروعات القوانين، قبل عرض تقارير اللجنة على الجلسة العامة.
وبالتالي فإن وجود 6 أصوات محسوبة على المعارضة يتيح لها تقديم رؤى وتعديلات بديلة خلال مناقشات اللجنة، والمشاركة في صياغة الملاحظات القانونية على المشروعات المحالة إليها.
أما "الخطة والموازنة"، فالأمر يتعلق بلغة الأرقام، حيث تتيح مناقشاتها فحص الاعتمادات المالية وأوجه الإنفاق والإيرادات والحسابات الختامية، وتحويل الانتقادات السياسية العامة إلى أسئلة محددة بشأن المخصصات وأولويات الإنفاق ونتائج التنفيذ.
ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع وجود عبد المنعم إمام في هيئة مكتب اللجنة، إلى جانب محمود سامي الإمام ومارسيل سمير وإيرين سعيد وأحمد فرغلي في عضويتها.
استمرار الأسماء وانضمام أصوات جديدة
وتكشف المقارنة مع خريطة الدور الأول أن الزيادة لم تأتي نتيجة استبدال الأسماء الموجودة داخل اللجنتين، وإنما استمر النواب الخمسة في "التشريعية" وانضمت إليهم فاطمة عادل، بينما حافظ الثلاثي عبد المنعم إمام ومحمود سامي الإمام ومارسيل سمير على وجوده في "الخطة والموازنة"، وانضم إليهم إيرين سعيد وأحمد فرغلي.
ويتيح هذا الاستمرار الاحتفاظ بالخبرة المتراكمة للأعضاء داخل لجانهم، بالتوازي مع إضافة خبرات وأصوات جديدة، دون أن تثبت حركة العضوية وحدها وجود خطة موحدة أو تنسيق مشترك بين جميع النواب المحسوبين على المعارضة.
الاختبار الحقيقي.. ماذا ستغير المعارضة في النصوص والأرقام؟
ويبقى السؤال الأهم، "هل تكفي زيادة عدد نواب المعارضة داخل اللجنتين لإحداث تأثير أكبر؟ "، الأرقام تشير إلى اتساع حضورها، لكنها لا تضمن نتيجة بعينها في التصويت أو المناقشات، فالاجابه ستقدمها المناقشات المقبلة، ففي "بيت التشريع" سيكون الاختبار في النصوص والصياغات، وفي "الخطة والموازنة" ستكون الأرقام وأولويات الإنفاق محور المواجهة.