مرثا محروس

مابين الرصاصة والحكاية

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 05:19 م


هناك لحظات في عمر الأوطان، كلما ابتعدنا عنها زمنيًا، أصبح الاقتراب من معناها أكثر صعوبة.

نحن نملك الصور، والتسجيلات، والشهادات، والكتب، والأفلام… نملك كل شيء تقريبًا يمكن أن يخبرنا ماذا حدث.

لكن هل نملك بالقدر نفسه ما يجعلنا نفهم ماذا كان يعني أن يحدث؟
ربما هنا تبدأ المشكلة.

ما المسافة بين رصاصة أُطلقت في لحظة حرب، وحكاية تُروى عنها بعد أكثر من نصف قرن؟
قد تبدو المسافة مجرد سنوات، لكنها في الحقيقة أبعد من ذلك بكثير.

بين الرصاصة والحكاية، هناك خوف عاشه إنسان، وقرار اتخذه قائد، وبيت انتظر، وجندي لم يكن يعرف إن كان سيعود، ووطن كان يبحث عن لحظة يستعيد فيها ثقته بنفس

في كل عام يأتي أكتوبر، فنستعيد المشهد ذاته: العبور، العلم، الجنود، النصر، الحكايات التي سمعناها عشرات المرات. ويكبر جيل جديد وهو يعرف أن هناك حربًا اسمها السادس من أكتوبر، وأن مصر انتصرت فيها.

لكن بين «أن تعرف» و«أن تدرك» مسافة كبيرة.
الذين عاشوا أكتوبر لم يكن النصر بالنسبة لهم تاريخًا.
كان خوفًا عاشوه، وغيابًا انتظروه، وقلقًا حملته البيوت، وأملًا لم يكن أحد يعرف إن كان سيكتمل أم لا. ثم جاء النصر، فصار بالنسبة لهم تجربة شخصية لا تحتاج إلى شرح.

أما الجيل الذي جاء بعدهم، فقد ورث شيئًا من هذه التجربة من خلال آبائه وأجداده وأبطالها. كان يسمع الحكاية من شخص عاشها، ولذلك كانت الكلمات تحمل شيئًا من حرارة اللحظة.
لكننا اليوم أمام جيل لم يعد بينه وبين الحرب شاهد حي في كل بيت بالضرورة.
وهنا لا يصبح التحدي هو أن نحكي له أكتوبر بصورة أفضل، وإنما أن نسأله سؤالًا أصعب:

كيف نجعل التاريخ ينتج وعيًا، بدل أن ينتج مجرد معلومات؟
هذه ليست مشكلة أكتوبر وحده.
إنها مشكلة كل وطن.

فالدول لا تُبنى فقط بالأحداث التي تقع فيها، وإنما بالمعاني التي تحتفظ بها أجيالها من تلك الأحداث.

والخطر ليس أن ينسى الشاب اسم المعركة أو تاريخها؛ الخطر الأكبر أن يعرف كل هذه التفاصيل، ثم لا يرى بينها وبين حياته اليوم أي علاقة.

أن يسمع عن سنوات الاستعداد والتحدي، ولا يرى فيها درسًا عن الصبر والعمل والتخطيط.
أن يعرف أن هناك من دفع الثمن، دون أن يفهم أن ما يعيشه اليوم جزء من نتيجة ذلك الثمن.

وهنا يجب أن تتغير طريقة حديثنا عن أكتوبر.

أن نقول للشاب إن التاريخ ليس مجموعة من التواريخ التي انتهت، وإنما سلسلة من الاختيارات التي صنعت الواقع الذي يعيشه.
وأن الوطن الذي يراه اليوم قائمًا أمامه، لم يصل إلى هنا تلقائيًا.

وأن كل جيل يستلم وطنه وفي يده رصيد من تضحيات من سبقوه، ثم يصبح مسؤولًا عن أن يضيف إليه، لا أن يكتفي باستهلاكه.

ربما تكون هذه هي الرسالة الحقيقية التي يجب أن يتركها أكتوبر فينا:

أن الانتصارات لا تورث جاهزة.
نحن نرث نتائجها، لكننا لا نرث قدرتها على تكرار نفسها.

كل جيل عليه أن يصنع «أكتوبره» بطريقته؛ ليس بالحرب، وإنما بالعمل، والعلم، والانضباط، والقدرة على مواجهة التحديات، والإيمان بأن صعوبة الطريق ليست دليلًا على استحالته.

فإذا كان جيل أكتوبر قد واجه تحديًا عسكريًا هائلًا واستطاع أن يصنع لحظة فارقة، فإن تحديات كل جيل جديد ستختلف، لكن القاعدة نفسها تظل قائمة:

لا يوجد وطن يحيا على انتصارات الماضي وحدها.
الماضي يمنحنا الثقة، لكنه لا يعفينا من مسؤولية الحاضر.
ولهذا، ربما لا يكون المطلوب أن نجعل أبناءنا يحفظون أكتوبر أكثر.
بل أن نجعلهم يفهمونه أكثر.

أن يعرفوا أن وراء كل صفحة من صفحات التاريخ أناسًا اتخذوا قرارات في لحظات صعبة، وأن دورهم اليوم ليس أن يكرروا قصص هؤلاء، وإنما أن يكونوا قادرين على صناعة قصص جديدة تستحق أن ترويها الأجيال القادمة.

فالأوطان لا تحتاج إلى أجيال تحفظ تاريخها فقط.
إنها تحتاج إلى أجيال تفهمه، ثم تعرف ماذا تفعل به.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة