تمكن علماء الآثار بجامعة وارسو، من تحقيق كشف تاريخي أثناء تنقيبهم في تل "ويندمل"، الواقع على بعد نحو 300 متر غرب بلدة "بوك" التاريخية في شمال بولندا، وأسفرت عمليات البحث التي غطت مساحة شاسعة تجاوزت خمسة آلاف متر مربع عن توثيق أكثر من 300 معلم أثري متنوع الأحجام، مما يؤكد أن هذا الموقع الاستراتيجي استُخدم بشكل متكرر على مدار فترة زمنية طويلة تمتد لأكثر من ألفي عام، وفقا لما نشره موقع" heritagedaily".
وأوضح الدكتور ميخال ستارسكي من جامعة وارسو أن النتائج التي جرى التحقق منها فاقت كل التوقعات، حيث تمنح هذه المكتشفات العلماء فرصة نادرة لإعادة قراءة وفهم التحولات الثقافية والعسكرية التي شهدتها المنطقة عبر العصور.
الحلقتان الغامضتان وحرب السنوات الثلاث عشرة
تأتي الخنادق الدائرية الكبيرة التي تحيط بقمة التل على رأس الاكتشافات الأكثر إثارة للجدل والاهتمام في هذا الموقع؛ حيث عثر الباحثون على معلمين دائريين يبلغ قطرهما حوالي 30 و50 متراً، وبعمق يصل إلى متر ونصف المتر.
ويعتقد الفريق الأثري أن هذين الخندقين يمثلان تحصينات ميدانية دفاعية نادرة ارتبطت بشكل مباشر بحرب "السنوات الثلاث عشرة" التي اندلعت بين عامي 1454 و1466 بين القوات التوتونية وقوات غدانسك، ونظراً لأن بلدة بوك سقطت في يد التوتونيين عام 1460 قبل أن تُحاصر مجدداً بعد أربع سنوات، فإن الطبيعة الطبوغرافية للموقع جعلت تأمين التل وتشييد حلقتين من الخنادق المدعومة بسور دفاعي خطوة بالغة الأهمية استراتيجياً لحماية التل الذي لم يصمد في النهاية أمام وطأة الحصار العنيف.
بقايا طاحونة العصور الوسطى وأحجار الرحى
في المساحة المركزية التي طوقتها الخنادق، عثر العلماء على أدلة مادية قوية تشير إلى وجود طاحونة هوائية توتونية تعود للقرن الخامس عشر، والتي كانت السجلات التاريخية والخرائط القديمة العائدة لعام 1634 تشير إلى موقعها باسم "تل الطاحونة".
ورغم عدم بقاء هياكل خشبية أو عمرانية قائمة للطاحونة نفسها، إلا أن الباحثين عثروا على قبو مبنى صغير مجاور وبقايا خشبية تحت الأرض، إلى جانب شصايا ضخمة من أحجار الرحى الجرانيتية المحززة التي صُنعت بتقنيات أواخر العصور الوسطى، علاوة على العثور على حوالي اثنتي عشرة قذيفة مدفعية حجرية تؤكد تعرض الموقع لهجوم عسكري مباشر.
أسرار ما قبل التاريخ وثقافة لوساتيا
عثر الباحثون على هياكل سكنية وأدوات ترتبط باستيطان شعب "ثقافة لوساتيا" خلال النصف الأول من تلك الألفية، بالإضافة إلى رصد حوالي اثنتي عشرة حفرة تعود لأوائل العصور الوسطى، وتثبت هذه المكتشفات أن الموقع كان مركزاً للنشاط البشري والاستقرار قبل وقت طويل جداً من التفكير في بناء الطاحونة أو اللجوء إلى التل كحصن دفاعي.
المقبرة اللوثرية وتقاليد دفن الموتى
تبدلت طبيعة الموقع جغرافياً وعقائدياً بحلول القرن السادس عشر، عندما تحول التل إلى ملكية المجتمع البروتستانتي في بلدة بوك ليُعاد استغلاله كمقبرة لوثرية.
وقد أحصى علماء الآثار ما يقرب من 150 قبراً، وعلى الرغم من أن الرفات البشرية عُثر عليها في حالة سيئة من الحفظ نتيجة العوامل الطبيعية، إلا أن المدافن احتفظت بقطع أثرية جنائزية هامة.
وشملت هذه القطع أربع عملات معدنية تعود لأواخر القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر، والتي يرجح العلماء أنها تمثل تقليداً تاريخياً يُعرف باسم "أوبول شارون" حيث تُوضع العملة مع المتوفى كقيمة رمزية، إلى جانب غليون تبغ طيني من قطعة واحدة يعود للقرن السابع عشر، دُفن مع صاحبه كأحد ممتلكاته الشخصية.
ويتطلع فريق البحث حالياً لإجراء تحليلات مخبرية إضافية لتحديد الأعمار الدقيقة للرفات ومعرفة الحالة البيولوجية والصحية للسكان المحليين في تلك الحقبة.