إذا كانت "الإلياذة" قد حفظت للعالم حكاية حرب طروادة، ووضعت "الأيام الأخيرة لسقراط" القارئ أمام محاكمة الفيلسوف وموته، فإن الكتاب الثالث الذى تضعه قائمة صحيفة "تليجراف" البريطانية بين أعظم 50 كتابًا عبر العصور يأخذ القارئ إلى مساحة أكثر اتساعًا، فمن خلق الكون إلى ظهور الإنسان، ومن الآلهة والأبطال إلى حرب طروادة ثم روما، يحاول الشاعر الرومانى أوفيد فى "التحولات" أن يصنع تاريخًا شعريًا للعالم تكون قاعدته الأساسية أن كل شيء قابل للتغير.
كتاب يبدأ قبل وجود الإنسان
لا يبدأ "التحولات" ببطل، ولا بحرب، ولا بمدينة، وإنما يبدأ بالعالم قبل أن يصبح عالمًا، يفتتح أوفيد قصيدته بفكرة "الأجساد التى تحولت إلى صور جديدة"، ثم يعود إلى الفوضى الأولى، حين لم تكن السماء قد انفصلت عن الأرض، ولا البحر عن اليابسة، قبل أن ينتظم الكون وتتحدد عناصره وتظهر الكائنات ثم الإنسان.
ومن هذه البداية يضع أوفيد المفتاح الذى سيحكم الكتب الخمسة عشر كلها: التغير هو القانون المستمر فى العالم.
وتوضح دراسة صادرة عن مطبعة جامعة كامبريدج أن "التحولات" قصيدة تمتد إلى نحو 12 ألف بيت موزعة على 15 كتابًا، وتضم قرابة 250 حكاية من حكايات التحول، تبدأ بتكوين العالم وتنتهى بعصر أوفيد والإمبراطور أغسطس، وقد كتبها فى الوزن السداسى المستخدم فى الملاحم.
كيف بنى أوفيد «التحولات»؟
المشكلة التى واجهها أوفيد كانت شديدة الصعوبة: كيف يمكن جمع مئات الأساطير، التى نشأت فى أزمنة مختلفة وتتعلق بشخصيات وآلهة وأماكن متعددة، داخل عمل واحد دون أن يتحول إلى موسوعة مفككة؟ وكان الحل فى أن يجعل الحكاية تلد الحكاية.
قد تبدأ القصة بشخصية، ثم تروى هذه الشخصية حكاية أخرى، أو يقود نسب بطل إلى بطل آخر، أو يصبح المكان نقطة للانتقال إلى أسطورة جديدة، أو يكون التحول الذى تنتهى به قصة هو الجسر الذى تبدأ منه القصة التالية.
ومن ثم فإن القارئ لا يجد أمامه 250 قصة مستقلة مرتبة واحدة بعد الأخرى، وإنما شبكة من الحكايات يسعى أوفيد إلى منحها إحساسًا بالاستمرار من بداية الكون حتى روما.
من خلق العالم إلى الطوفان
فى الكتاب الأول ينتقل أوفيد سريعًا من خلق الكون إلى تاريخ البشر، فيروى العصور المتتابعة للإنسان، من العصر الذهبى إلى الفضى والبرونزى ثم الحديدي، الذى تتراجع فيه القيم ويزداد العنف.
ثم تأتى حكاية ليكاون الذى يثير غضب جوبيتر، لتقود إلى قرار تدمير البشر بالطوفان، ولا ينجو سوى ديوكاليون وبيرا، لتبدأ البشرية من جديد.
إنها واحدة من اللحظات المهمة فى "التحولات"، لأن العالم نفسه يتعرض فيها لما تتعرض له شخصيات أوفيد بعد ذلك: *صورة تنتهى لتولد منها صورة أخرى.
وبعدها تبدأ سلسلة من أشهر حكايات الكتاب، وفى مقدمتها أبولو ودافني، حين تطارد الرغبة الإلهية فتاة لا تريدها، فتلجأ دافنى إلى أبيها طلبًا للنجاة، ويتحول جسدها إلى شجرة غار.
ومن هنا يصبح التحول شيئًا أكثر تعقيدًا من مجرد معجزة أسطورية؛ فقد يكون عقابًا، وقد يكون خلاصًا، وقد يكون نتيجة للحب أو الخوف أو الغيرة أو الانتقام.
لماذا "التحول" هو قلب الكتاب؟
من السهل عند قراءة العنوان أن نتصور أن أوفيد يجمع حكايات أشخاص تحولوا إلى أشجار أو طيور أو أحجار، لكن قراءة العمل تكشف أن المعنى أوسع.
فالتحول عند أوفيد يحدث فى الجسد، وفى الطبيعة، وفى السلطة، وفى المشاعر، وفى التاريخ نفسه.
هناك إنسان يتحول إلى حيوان، وفتاة تصبح شجرة، ودم يتحول إلى زهرة، وتمثال يصبح امرأة حية، وإنسان يُرفع إلى السماء، لكن إلى جوار ذلك هناك أيضًا تحولات نفسية وأخلاقية؛ الحب يصبح هوسًا، والجمال يتحول إلى سبب للهلاك، والطموح يقود إلى السقوط، والحزن يعيد تشكيل صاحبه.
فايثون.. ماذا يحدث عندما تكون الأمنية أكبر من صاحبها؟
فى الكتاب الثانى تظهر حكاية فايثون، ابن إله الشمس، الذى يريد إثبات نسبه، فيطلب أن يقود عربة الشمس ليوم واحد، يحاول أبوه منعه، ويحذره من أن المهمة تتجاوز قدرته، لكنه يصر.
وحين ينطلق بالعربة يعجز عن السيطرة عليها، فتقترب من الأرض وتحرق أجزاء منها وتبتعد عنها، ويصبح العالم مهددًا بالفناء.
الحكاية واحدة من النماذج التى تكشف طريقة أوفيد؛ فنحن أمام أسطورة عن الشمس والآلهة، لكنها فى الوقت نفسه حكاية عن إنسان حصل على القوة التى طلبها قبل أن يمتلك القدرة على استخدامها.
نرجس.. حين يصبح الإنسان أسير صورته
وفى الكتاب الثالث تظهر واحدة من أشهر شخصيات «التحولات»: نرجس، الشاب شديد الجمال الذى يرفض من يحبونه، حتى يرى انعكاس صورته على الماء فيقع فى حبها دون أن يستطيع امتلاك ما يراه، يمضى نرجس أسيرًا للصورة إلى أن يهلك، وترتبط نهايته بالزهرة التى تحمل اسمه.
وبقيت الحكاية بعد أوفيد بقرون طويلة، حتى خرج اسم نرجس من حدود الأسطورة والأدب، وصار حاضرًا فى الثقافة الحديثة عند الحديث عن الانشغال بالذات.
أراخني.. عندما يصبح الفن معركة
ومن أشهر مشاهد الكتاب كذلك قصة أراخني، الفتاة التى تتقن النسيج إلى درجة تجعلها تدخل فى تحدٍ مع الإلهة مينيرفا، يتحول النسيج هنا إلى منافسة فى الفن والمهارة، ثم تنتهى الحكاية بتحول أراخنى إلى عنكبوت.
من الآلهة إلى الأبطال
مع تقدم الكتب يتسع العالم أكثر، تظهر ميديا وجاسون وحكاية الصوف الذهبي، ثم مينوس وكريت، ويصل القارئ إلى المتاهة والمينوتور وثيسيوس وأريادني، ثم إلى ديدالوس وابنه إيكاروس.
وفى حكاية إيكاروس يصنع الأب جناحين من الريش والشمع كى يهرب مع ابنه من كريت، ويحذره من الارتفاع الشديد، لكن لذة الطيران تدفع الابن إلى الاقتراب من الشمس، فيذوب الشمع ويسقط فى البحر.
أورفيوس.. هل يستطيع الفن الانتصار على الموت؟
فى الكتاب العاشر يصل أوفيد إلى واحدة من أجمل حكاياته، قصة أورفيوس ويوريديس، تموت يوريديس، فيرفض أورفيوس التسليم بفقدانها، ويهبط إلى عالم الموتى، مسلحًا بشيء واحد: موسيقاه.
ينجح عزفه فى التأثير حتى فى عالم الموت، ويحصل على فرصة لإعادة زوجته، بشرط ألا يلتفت إليها قبل أن يخرج، لكنه، فى اللحظة الأخيرة، يلتفت، ويفقدها للمرة الثانية.
بيجماليون.. عندما أصبح التمثال حيًا
ومن حكايات أورفيوس تأتى قصة بيجماليون، النحات الذى يصنع تمثالًا لامرأة ويبلغ إعجابه بعمله حد الوقوع فى حبه، حتى تتحقق أمنيته وتدب الحياة فى التمثال.
من حرب طروادة إلى روما
لا يبقى «التحولات» فى زمن الآلهة والحكايات القديمة، مع الكتب الأخيرة نقترب من حرب طروادة، ونرى أخيل وأياكس وأوديسيوس، ثم تتحرك الحكاية مع إينياس من عالم طروادة إلى إيطاليا، ومنها إلى بدايات التاريخ الروماني.
وهنا تظهر خطة أوفيد الكبرى بوضوح: بدأ من خلق العالم، ثم مر بعصور الآلهة والأبطال والأساطير، حتى وصل تدريجيًا إلى روما.
وفى الكتاب الخامس عشر يظهر فيثاغورس بخطاب طويل عن الطبيعة والتغير وانتقال الموجودات من حال إلى حال، وهو خطاب ينسجم بصورة واضحة مع الموضوع الذى بدأ به أوفيد قبل آلاف الأبيات: لا شيء يظل ثابتًا.
ثم يصل العمل إلى يوليوس قيصر وتحوله بعد الموت إلى نجم، وإلى أغسطس، قبل أن يختم أوفيد بالحديث عن مصيره هو نفسه.
أوفيد يضع نفسه فى نهاية تاريخ العالم
بعد أن روى تحول الكون والبشر والآلهة والمدن، يقوم أوفيد فى النهاية بتحول من نوع آخر، يتنبأ ببقاء شعره.
فالجسد سيموت، لكن الجزء الأفضل منه سيعلو فوق الزمن، وسيظل اسمه حيًا حيث تصل سلطة روما وحيث يُقرأ الشعر.
من هو أوفيد؟
هو بوبليوس أوفيديوس ناسو، المعروف باسم أوفيد، ولد سنة 43 قبل الميلاد فى سولمو بإيطاليا، وكان من أبرز شعراء العصر الرومانى فى زمن أغسطس، درس البلاغة وكان الطريق متاحًا أمامه للعمل العام، لكنه اتجه إلى الشعر، وكتب أعمالًا مثل «الغزليات» و«رسائل البطلات» و«فن الحب»، قبل أن ينجز العمل الذى ارتبط باسمه أكثر من غيره: "التحولات".