شحاتة زكريا

روح أكتوبر ليست أرشيفا

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 12:44 ص


في مطلع كل خريف تفتح الذاكرة الوطنية خزائنها على مصراعيها وتصدح الأثير بنغمات النصر المألوفة وتعرض اللقطات ذاتها بالأبيض والأسود لقوارب تقتحم صفحة القناة وجنود يعتلون الساتر الترابي بشجاعة أسطورية. غير أن هذا الاحتفاء الموسمي بكل ما يحمله من إجلال مشروع يكاد يحول السادس من أكتوبر مع توالي السنين إلى مجرد أرشيف فوتوغرافي معلق على الجدار مناسبة عاطفية نستدعيها ليوم واحد لنستريح في ظلالها، ثم نعود سريعا إلى تفاصيل حياتنا المثقلة بالشكوى والارتباك.

لكن أكتوبر لم يكن قط متحفا للذكريات، ولا نصبا تذكاريا يكتفي بوضع باقات الزهور عند أقدامه.. أكتوبر في جوهره كان فلسفة حياة ومنهج إدارة وشجاعة عقل امتلك الجرأة لرفض الانكسار وإعادة كتابة واقعه بيده حين أجمع العالم كله على أنه جثة هامدة لا تقوى على الحراك حين سقطت سيناء في يونيو 1967.

كانت كل الحسابات الرياضية الباردة تقول إن العبور مستحيل.. مانع مائي مجهز بأنابيب النابالم الحارق، جدار ترابي يرتفع لعشرات الأمتار بزوايا ميل تميت أي تقدم، خط بارليف الحصين الذي اعتبره خبراء حلف الناتو أقوى خط دفاعي عرفته الحروب الحديثة. وفوق ذلك كله تفوق نوعي وطيران متسيد وسماء مكشوفة.

لو استسلم العقل المصري آنذاك للدفاتر وجداول الموازين العسكرية التقليدية، لظللنا حتى اليوم على الضفة الغربية نلوك أحزاننا وننتظر صدقة من موائد المفاوضات الدولية العاجزة.

ما الذي انتصر في ظهيرة ذلك اليوم المجيد؟ لم تكن الأسلحة وحدها. بل كانت شجاعة البدايات ذلك العقل الذي أدرك أن المستحيل ليس قدرا حتميا بل هو مساحة عجز لم نجرؤ بعد على اقتحامها.

كانت شجاعة ضابط مهندس فكر في خراطيم المياه لإسقاط جبل التراب بديلا عن آلاف أطنان المتفجرات، وشجاعة قادة غرف العمليات الذين أداروا أعتى معارك القرن العشرين بصرامة علمية تخطط لكل ثانية، وصبر شعب بأكمله تحمّل مرارة اقتصاد الحرب، وربط البطون في طوابير الجمعيات بصمت ورضا دون أن تخرج منه صرخة تذمر واحدة، لأن الهدف كان كبيرا وواضحا والجميع من رأس الدولة إلى فلاح قريته كانوا شركاء حقيقيين في حلم واحد لا يقبل المساومة.
هنا تحديدا يقفز السؤال المحرج والموجع الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بلا مواربة في ذكرى النصر: أين ذهبت شجاعة تلك البدايات في مواجهة معاركنا اليومية المعاصرة؟ لماذا نحتشد بكامل الفخر أمام بطولات رجال قهروا أعتى التحصينات العسكرية في ست ساعات، بينما نقف اليوم في بعض مواقعنا التنفيذية والإدارية عاجزين أمام روتين بال أو استسهال مميت؟

كيف لمن اقتحم خط بارليف أن يستسلم اليوم لعبارة بليدة مثل السيستم واقع أو هذا هو المتاح؟ أليست معركة بناء المصنع وتطوير الفصل المدرسي وإنقاذ المريض ومحاصرة الفساد والمحسوبية وتحرير العمل الإداري من الخوف والتردد هي الامتداد الطبيعي والمشروع لمعركة المدافع والصواريخ؟

إن الخطر الحقيقي الذي يهدد استيعابنا لروح أكتوبر هو أن نحولها إلى مخدر نتغنى به للهروب من استحقاقات الحاضر. لقد حارب جيل 1973 لكي يورثنا وطنا سيدا وحرا، ولم يحارب لكي نكتفي بالبكاء على أطلال بطولاته بينما نغرق في التواكل وثقافة الاستهلاك.

النصر الذي رُوي بالدم لم يكن شيكا على بياض نعيش منه إلى الأبد بل كان أمانة ثقيلة معناها أن هذا البلد لا يليق به أن يعيش إلا كبيرا ومبادرا ومنافسا في طليعة الأمم نحن نعيش اليوم في إقليم يشتعل بالحرائق من كل اتجاه ونخوض معركة اقتصادية شرسة في عالم لا يرحم الضعفاء ولا ينتظر المترددين.

في هذا العالم المضطرب لا مكان لأصحاب الأيادي المرتعشة ولا للعقول التي تنتظر الحلول السحرية من السماء. نحن بحاجة ماسة لاستعادة عقيدة الرمال تلك العقيدة التي لا ترى في الأزمة نهاية الطريق بل فرصة لإبداع الحلول غير التقليدية والتي تؤمن بأن الكفاءة والانضباط والتضحية هي الأركان الوحيدة لبناء الأوطان، وأن المجاملات وإهدار الطاقات هما الخيانة الصامتة لمعنى الدولة.

إن أعظم تكريم يمكن أن نقدمه لشهدائنا الأبرار ولتلك الأرواح الطاهرة التي عبرت فوق أجسادها دباباتنا إلى الضفة الأخرى ليس في إطلاق الأغاني الموسمية في الإذاعات بل في استدعاء شجاعتهم إلى مكاتبنا، وفصولنا، ومصانعنا، ومواقع العمل والإنتاج.

إن نتعلم كيف نخطط بعلم ونعمل بضمير ونواجه مشكلاتنا الاقتصادية والاجتماعية بالجسارة والصدق ذاتهما اللذين أدارت بهما القيادة ملحمة العبور.

أكتوبر ليس يوما في التقويم نطفئ بعده الشموع لننتظر العام القادم إنه بوصلة دائمة تذكرنا كلما تهنا في زحام الأزمات بأن هذا الشعب قادر على فعل ما يشبه المعجزات إذا توحدت إرادته ووُضعت ثقته في كفاءاته المخلصة وعاد ليعرف من هو حقا.

وإذا كنا قد استعدنا الأرض بفضل الدم والشجاعة فإن واجب الوفاء يفرض علينا ألا نخسر المعنى في معارك الحياة اليومية فالنصر يبدأ دائما من قرار داخلي يرفض الاستسلام ويمضي إلى الغد برأس مرفوعة وعقل لا يقبل الهزيمة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة