المشهد الأول - شارع جانبي في القرية
(الشمس حارقة. أبو جابر يجلس على مصطبة بيته، واضعاً رجلاً فوق رجل، يمسك بيده مروحة يد يدفع بها الهواء، وبجانبه ثلاثة من رجال القرية يضحكون على حديثه).
يدخل محروس الشارع وهو يحمل على ظهره "جوالاً" ثقيلاً من التبن، ينهج بشدة وعرقه يسيل على وجهه، ويمشي ببطء بسبب ثقل الحمل.
أبو جابر يلمح محروس، فتنفرج أساريره بخبث، ويصيح بصوت عالٍ ليسمعه الجميع:
أهو جايلكم فخر عائلات الحتة! وسّع يا جدع أنت وهو لـ "الباشمهندس" محروس!
(الرجال يضحكون. محروس يتوقف، ينظر لأبو جابر بقلة حيلة ويحاول المتابعة، لكن أبو جابر ينهض ويقف في طريقه ممسكاً بطرف الجوال).
أبو جابر (بتهكم واستهزاء، ويمد يده ليمسح على وجه محروس بقسوة تهين كرامته): جرى إيه يا محروس ؟.. وشك أصفر زي الليمونة ليه؟.. هو شيل التراب طيّر البركة اللي في نفوخك؟.. قولي صحيح.. هو أنت لما بتجوع، بتاكل تبن من ده ولا بتفهم في العلف بس؟.
محروس (بصوت منخفض ونبرة مكسورة، وعيناه في الأرض):
سيبني يا عم أبو جابر الله يخليك.. الحمل تقيل على ضهري وعايز ألحق أسلمه.
أبو جابر (يدفعه في صدره بقوة، فيترنح محروس ويسقط الجوال منه على الأرض وينفرط التبن):
شيل يا اخويا شيل.. أهو ده مقامك، طول عمرك هتنكفي على وشك في التراب، والناس الكبار تقعد تتفرج عليك وتتَسلى.. غُر من وشي يلا، ريحتك عكّرت علينا القعدة!.
(محروس ينحني على ركبتيه في التراب، يجمع التبن بيدين ترتعشان، بينما ترتفع ضحكات أبو جابر والرجال في الخلفية، وعينا محروس المتجهتان للأرض تلمعان بغيظ وغل مكتوم).
المشهد الثاني.. المقهى الشعبي
(المقهى مزدحم. صوت حجر الشيشة والدومينو يملأ المكان.. أبو جابر يجلس في وسط طاولة وحوله مجموعة من الشباب، يوزع عليهم الشاي ليتودد إليهم ويجمع أخبارهم.. يدخل محروس يحمل بيده "قفصاً" صغيراً فيه بعض الخضار ليبيعه).
أبو جابر (يصيح بضحكة مجلجلة): تعالالي يا واد يا محروس! هات قفص الفجل ده.. (يأخذ القفص منه عنوة ويضعه تحت قدميه): قولي بقا.. صحيح الإشاعة اللي طالعة عليك في البلد؟.
محروس (ببلاهة مصطنعة مصحوبة بخوف): إشاعة إيه يا عم أبو جابر؟ أنا غلبان ماليش دعوة بحد.
أبو جابر(يمسك بمحروس من ياقة جلبابه ويجره أمام الشباب وسط المقهى): بيقولوا إنك خطبت بنت شيخ البلد وهتعمل الفرح في "الفور سيزون"!.
(يلتفت للشباب ويغمز لهم): مش كده يا رجالة؟ لايقين على بعض صح؟ هو عبيط وهي عمية!.
(القهوة كلها تنفجر بالضحك والتريقة.. محروس يحاول سحب جلبابه من يد أبو جابر وهو يشعر بالمهانة والخزي وسط نظرات الجميع).
أبو جابر (يزيد من إذلاله؛ يخرج ورقة "خمسة جنيهات" قديمة وممزقة من جيبه، ويلصقها على جبهة محروس بتعالي): خد يا سيدي.. دي نقطتك مقدماً عشان تشغلنا الأراجوز بتاعك وتضحكنا شوية.. ورّينا كدة هترقص إزاي في فرحك؟ اخلص ارقص!.
محروس(يداري دموعه بحركة بلهاء، ويتحرك بضع خطوات مرتجفة تظاهراً بالرقص والعبط وسط تصفيق استهزائي من أبو جابر): خلاص يا عم أبو جابر.. سيبني أمشي.. الله يكرمك.
أبو جابر
(يأخذ قفص الخضار ويرميه لمحروس في صدره فيسقط أرضاً): غور يلا.. واحمد ربنا إني عبرتك وخليت الحتة كلها تضحك على خيبتك.. أنت مكانك الزريبة يا محروس، مش وسط الأسياد!.
(محروس يأخذ قفصه ويجري خارج المقهى بسرعة.. وبمجرد خروجه إلى عتمة الشارع، يتوقف عن الجري، يمسح دموعه بقسوة، وينظر إلى داخل المقهى نحو أبو جابر بنظرة حقد وذكاء شديد، ويهمس لنفسه: "وديني وما أعبد يا أبو جابر.. لخلي البلد كلها تتفرج على غسيلك المعفن").
المشهد الثالث.. مندرة القرية الكبيرة
(المكان واسع، قعدة عربي شيك ومريحة، الإضاءة واضحة والكل بيشرب شاي وقهوة.. كبار البلد ورجالها قاعدين بيتكلموا بصوت هادي.
في ركن بعيد، قاعد أبو جابر ماسك سبحة وبيتفرج على الرايح والجاي. يلمح الحاج عبد التواب قاعد بيفكر ومهموم، يقوم يتسحب ويقعد جنبه).
أبو جابر (بصوت واطي ونبرة حزينة مصطنعة): مالك يا حاج عبد التواب؟ شايل طواجن الفخار فوق راسك ليه؟ قلقان من موضوع خطوبة بنتك؟.
الحاج عبد التواب (يتنهد بضيق): والله يا أبو جابر.. الواد ابن الحاج بيومي متقدملها، وأنا لسه مستخير ومتردد، مش عارف أوافق ولا لاء.
أبو جابر (يصطنع الصدمة ويوطي صوته أكتر): توافق؟! يا نهار مش فايت! إنت مش دريان باللي بيتقال برة ولا إيه؟ ده أنا لسه سامع الحاج بيومي بودني في السوق وهو بيقول للناس: "عبد التواب هيطير من الفرحة بنا، وهيوافق ورجله فوق رقبته عشان يخلص من البايرة اللي عنده"!.
الحاج عبد التواب (وشه يحمر من الغضب وعينيه تطلع شرار):
بيومي قال كدة؟! بنتى أنا بايرة؟ ده أنا بنتي ألف مين يتمناها!.
أبو جابر(يطبطب عليه بخبث):
إحنا دافنينه سوا يا حاج.. أنا قلت أوعيك بس عشان كرامتك وكرامة بنتك، بس أمانة عليك سرك في بير، ومتقولش إني قلتلك حاجة!.
(أبو جابر يسيبه وهو قايد نار، ويلف الناحية التانية يلمح الأسطى حامد الميكانيكي قاعد مع الشيخ صابر، فيروح يقعد وسطهم).
أبو جابر (يبص للشيخ صابر ويغمزله): منور يا فضيلة الشيخ.. بس قولي صحيح، إيه رأيك في الموتور الجديد اللي الأسطى حامد ركبه في عربية المصلحة؟ شغل عالي صح؟
الشيخ صابر (ببراءة): الحمد لله، ربنا يوفقه، حامد صنايعي شاطر وإيده تتلف في حرير.
أبو جابر (ينتظر الشيخ صابر يقوم يغسل إيده، ويميل فوراً على الأسطى حامد): سمعت الشيخ صابر قال إيه يا حامد؟.. بيقول للناس برة إنك غشيت في الموتور وركبت حتة خردة، وإن فلوسك حرام!.
الأسطى حامد (يضرب بقبضته على الترابيزة بغل): الشيخ صابر يقول عليا حرامي وصنايعي غشاش؟! ده أنا مراعي ربنا في كل قرش! والله ما أنا مصلحله حاجة تاني في الحتة دي!.
أبو جابر (يبتسم بانتصار خفي):
أنا بنصحك بس يا حامد عشان تاخد حذرك.. وطبعاً الكلام ده بيني وبينك ويموت هنا.
(أبو جابر يرجع يقعد في مكانه بزهو ونشوة. في اللحظة دي.. يدخل محروس ببلاهته المصطنعة، لابس جلباب مبهدل شوية. محروس بيتحرك ببلاهة، يشوف أبو جابر اللي بيبص له بقرف واستهزاء زي عادته.. محروس يقرب منه وهو بيتظاهر بالخوف الشديد والارتباك، ويهمس بصوت واطي ومتقطع).
محروس(بيتلفت حواليه برعب مصطنع، وبيلعب في أكمام جلابيته): عم.. عم أبو جابر.. أنا.. أنا خايف أوي.. وحياة أغلى حاجة عندك، الكلام ده سر كبير.. ومحدش يعرف إني قلتهولك عشان ميموتنيش!.
أبو جابر
(يبص له باستهزاء، ويضحك بضحكة صفرا تريقة): جرى إيه يا محروس يا عبيط؟ إنت كمان بقا عندك أسرار وبلاوي? قولي يا سيدي، سرك في بير ملوش قرار.. اخلص نشفت ريقي، إيه الحكاية؟
محروس (يهمس في ودنه وبيقرب جامد): الحاج صالح.. بتاع المواشي.. الديون كبست على نفسه والشركاء حجزوا على فلوسه. ومن كتر الهم، باع أرضه الكبيرة بالسر لعمدة البلد اللى جنبينا عشان يفك زنقته.. أنا سمعته وهو بيكلم نفسه في الزريبة وهو بيعيط! اوعى تقول لحد يا عم أبو جابر عشان ميتخانقوش معايا!.
أبو جابر (يخبط على صدره بصدمة ومفاجأة، وعينيه بتلمع بفرحة عارمة): يا نهار مش فايت! الحاج صالح أفلس وباع الأرض للغرب؟ .. (يضحك في سره بانتصار ويهمس لمحروس باحتقار): اطمن يا واد يا محروس، سرك في أمان.. روح أنت ومتتكلمش مع حد تاني.
(محروس يبعد وهو بيمسح مناخيره بجلابيته ويتظاهر بالبلاهة والجهل التام باللي بيحصل، وينزوي في ركن بعيد خالص، ملامحه هادية ومحدش مركز معاه.
أبو جابر ميبقاش على بعضه من الفرحة، يقوم براحة ويتسلل لحد ما يقعد جنب الحاج محمود، صاحب الحاج صالح الأنتيم).
أبو جابر (بصوت واطي كله خبث وثقة): مساء الفل يا حاج محمود.. إيه الأخبار؟ صاحبك وعشرة عمرك مخبي عنك مصايبه، وإنت نايم في العسل ومش دريان بحاجة!
الحاج محمود (يكشر بضيق)
جرى إيه يا أبو جابر؟ نازل تسخين في إيه على المسا؟ صاحب مين ده؟.
أبو جابر (بفخر وكأنه هو اللي جاب التايهة): الحاج صالح يا سيدي! الراجل أعلن إفلاسه، وباع أرضه الكبيرة لعمدة البلد التانية من وراكم، وجاب لنا الكلام عشان يداري على خيبته! الكلمة دي مية مية وجايلك من مصادري الخاصة اللي متخرش المية!.
الحاج محمود (يقف فجأة، يرمي كوباية الشاي على الأرض تتكسر ميت حتة ويصوت بعلو صوته وهو قايد نار): جرى إيه يا صالح؟! هي دي الأصول برضه؟ تبيع أرضك للغرب من ورا ظهرنا وتصغرنا وسط الناس عشان تداري على إفلاسك؟!.
(الهدوء يقلب المكان كله فجأة. العمدة عبد الرحيم يرفع عينه باستغراب، والكل يبصوا لـ الحاج صالح اللي قاعد في صدر المكان بكل هدوء).
(الحاج صالح يقوم يقف بكل ثقة، يبتسم ببرود ويبص للعمدة وللحاضرين) و(بصوت قوي وراسي): جرى إيه يا حاج محمود؟ اهدى كده وصلي على النبي واقعد. أرضي زي ما هي ومحدش لمسها، وتجارتي ماشية وألف حمد وشكر ليك يا رب، ولا عليا مليم لشركاء ولا لغيرهم!
الحاج محمود (بتردد ولخبطة):
أومال.. أومال الكلام اللي لسه واصلي حالا ده إيه؟ أبو جابر لسه قايلي بنفسه ومأكد لي إن مصادره موثوقة!.
الحاج صالح (ينظر لأبو جابر بنظرة حادة ويسخر منه): مصادره؟ هه! الكلام ده "إشاعة كذب" أنا اللي ألفتها من كام يوم، ونشرتها بطريقتي عشان نكشف الخبّاص اللي عايش وسطنا! نقينا معلومة ميعرفهاش إنس ولا جن، وسبحان الله.. المعلومة خرجت من بوق أبو جابر حالا قدام الحتة كلها!.
(كل الرؤوس تلتفت ببطء ناحية أبو جابر اللي وشه جاب ميت لون ومبقاش عارف ينطق. يبص حواليه يلاقي نفسه وقع في فخ ملوش مخرج. الفتن التي زرعها أول السهرة تنفجر دفعة واحدة).
الحاج عبد التواب(يقف فجأة وبصوت يرج المكان، ويوجه كلامه للحاج بيومي): أنت فعلاً قلت على بنتي بايرة يا بيومي وعايز أخلص منها؟!.
الحاج بيومي (بذهول وصدمة):
أنا؟! ده أنا جيتلك وبقول للناس عبد التواب ده أخويا وناسبت سيد الرجالة! مين اللي قالك العك ده؟.
الحاج عبد التواب(يشاور بإصبع يرتجف من الغضب على أبو جابر): الخبّاص ده! هو اللي قالي لسه من ساعة في نفس القعدة دي!.
الأسطى حامد (يقف هو كمان ويزعق): وأنا كمان! قالي إن الشيخ صابر بيقول عليا حرامي وبغش في الشغل ويقطع في فروتي!.
الشيخ صابر (يمسك سبحته بذهول): استغفر الله العظيم! أنا أقول كدة يا حامد؟ ده أنا لسه مادح فيك قدامه وسامعني بنفسه!.
(المندرة كلها تتقلب هرج ومرج، الناس كلها تبص لأبو جابر بنظرات رعب واحتقار).
الحاج بيومي (يقف بغضب وهو بيبص لأبو جابر): والله ووقعت في شر أعمالك يا أبو جابر! بقيت تلم إشاعات كذب وتجري تفرشها في القعدة عشان تخرب البيوت؟.
الحاج عبد التواب: أثارينا كلنا كنا لعبة في إيد الخبّاص اللي عايش على الفتن، والنهاردة ورقك كله اتكشف وبقيت عريان قدامنا!.
(أبو جابر يرجع لورا وهو بيرتعش، وشه أصفر زي الليمونة، يبص في الأرض من الخزي والعار).
العمدة عبد الرحيم (يخبط بالعصاية بتاعته على الأرض بكل قوته ويبص لأبو جابر باحتقار شديد): بس! خلاص كشفت ورقك يا أبو جابر.. غدرك وبان، ووشك الحقيقي ظهر بعد ما كنت مداريه ورا السبحة والضحكة الصفرا. خربت بيوت وقطعت ناس بلسانك ده.. ارموه برة، المكان ده ملوش مكان لفتّان وخاين!.
المشهد الرابع.. قدام المندرة
(أبو جابر يترمي برة الباب الخشبي الكبير في الضلمة والتراب ومكسور العين. الباب يترزع في وشه بقوة تعمل صوتاً مدوياً).
(يمشي أبو جابر لوحده، موطي راسه في الشارع المظلم، وهو هيموت من الغيظ والحيرة مش عارف الفخ ده اتعمل عليه إزاي ومنين).
(في الزاوية، يظهر محروس واقف في الضلمة بعيد، يبص على أبو جابر وهو مطرود ومكسور.. محروس يبتسم ابتسامة ذكاء صامتة ويدندن بصوت واطي جداً وهو فرحان بانتصاره الخفي، من غير ما حد في الدنيا يعرف إنه هو اللي فضح الخبّاص وخد حقه تالت ومتلت).