خالد دومة يكتب: أدباء على حافة الهاوية.. نجيب سرور الثائر (1)

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 12:30 ص
خالد دومة يكتب: أدباء على حافة الهاوية.. نجيب سرور الثائر (1) خالد دومة

كانت المفارقة الأولى التي صنعت وعي نجيب سرور هي المفارقة بين عالمين متناقضين: عالم العمدة وجبروته، وعالم الفقراء الذين لا يملكون من أمرهم شيئًا؛ عالم له كل الامتيازات، وله الحق في أن يفعل ما يشاء دون محاسبة، وعالم لا حق له، وإنما هو مسخر لخدمة العالم الأول.

ولعل صورة أبيه وهو يهوي أمامه تحت ضربات حذاء العمدة كانت الشرارة الأولى لثورة الصبي على هذا العالم. هناك، في تلك القرية النائية التي يحكمها العمدة كأنه إله، لا راد لحكمه ولا معقب على أوامره، بدأت الرحلة الأولى.
ولد نجيب سرور في هذه القرية، ورأى فيها الظلم مجسدًا في نفوذ الأعيان وسلطة العمدة الذي يطلق يده في كل شيء. ورأى والده، الذي كان يحتل مكانة عظيمة في عين الطفل، يتعرض للمهانة على يده.
كانت الصورة قاسية على نفس الصبي: أبوه الذي يراه قويًا ومهابًا يهوي أمامه، يحاول أن يتقي ضربات حذاء العمدة.
أيكون هذا أبي؟
ربما كان ذلك الشرخ الأول في نفسه، واللحظة التي بدأ فيها يرى العالم على حقيقته: عالمًا تتحكم فيه القوة، ويُترك الضعفاء لمصائرهم.
لم تكن القرية بالنسبة إليه مجرد مكان فقير، وإنما كانت نموذجًا لمجتمع تحولت فيه الحاجة إلى وسيلة للسيطرة على الناس.
كان الفقراء يعيشون على الكفاف، وعلى ما يتركه الأغنياء من بقاياهم، لا لأن هؤلاء يتفضلون عليهم رأفة بهم، وإنما لأن بقاءهم محتاجين كان يساعد على استمرار خدمتهم واستغلالهم.
ثم انتقل نجيب سرور إلى المدينة، محملًا بأمل التغيير ومناهضة الظلم.
وهناك اتسعت رؤيته؛ فاكتشف أن المشكلة أكبر من عمدة يفرض سلطته على قرية، وأن الظلم قد يتخذ صورًا أكثر تعقيدًا داخل المؤسسات والمجتمع. رأى الوساطة والمصالح، وأشكالًا من الفساد ترتدي أحيانًا ثوب الفضيلة، بينما تنتهك الحقوق.
وفي هذه المرحلة كان المسرح والكلمة هما طريقه إلى المواجهة. وجد في الفن وسيلة للتعبير عما يراه، وللوصول إلى الناس، وبدأت ملامح مشروعه الإبداعي والسياسي في التشكل.
ذهب إلى موسكو محملًا بآمال جديدة، وكأنه ينتقل إلى عالم يستطيع فيه أن يجد ما افتقده في قريته ومدينته: الحرية والعدالة وإمكان بناء الإنسان الجديد.
لكن الغربة لم تمنحه الإجابات التي كان يبحث عنها.
واجه هناك تجارب قاسية وانتكاسات نفسية، وأصبح عليه أن يتعامل مع واقع جديد لا يخلو هو الآخر من التعقيدات والصدمات.
وكانت هذه التجربة من العوامل التي دفعت إبداعه إلى مزيد من التوتر والاحتجاج؛ فالكلمة لم تعد بالنسبة إليه مجرد وسيلة للتعبير، وإنما أصبحت طريقته في مواجهة عالم يرفض الاستسلام له.
ثم جاءت هزيمة 1967 لتضيف إلى تجربته الشخصية جرحًا وطنيًا عامًا.
فقد تجاوز الأمر حدود التجربة الفردية، وأصبح الواقع العربي كله حاضرًا في وعيه بما يحمله من هزيمة وانكسار وممارسات قاسية تجاه الشعوب المغلوبة على أمرها.
وفي ظل هذه الأجواء ازدادت حدة نظرته إلى الواقع، وأصبحت أعماله أكثر التصاقًا بالاحتجاج وكشف ما يراه من فساد وقهر واختلال.
لم يكن يستطيع تغيير الواقع بيده، لكنه استطاع أن يواجهه بالكلمة.
كان المسرح في ذلك الوقت وسيلة جماهيرية مؤثرة، ولذلك وجد فيه نجيب سرور المنبر الذي يستطيع من خلاله مخاطبة عدد كبير من الناس.
فكتب مسرحيات تكشف واقعًا مريرًا، وترفع الحجب التي تراكمت فوقه حتى بدا للناس وكأنه أمر طبيعي لا يمكن تغييره.
كان يريد أن يوقظ الأسئلة في نفوسهم، وأن يقول إن اعتياد الظلم لا يجعله عدلًا، وإن الصمت عنه يساعد على استمراره.
وهكذا تحولت خشبة المسرح إلى مساحة للمواجهة، وأصبحت أعماله تحمل صوته الاحتجاجي، وتكشف ما يراه من فساد ونفاق وقهر.
فقد حاصرته ظروف قاسية؛ الفصل من العمل، والبطالة، والتشرد، والاضطراب في حياته الخاصة، إلى جانب التجارب العاطفية المؤلمة. ترك زوجته وابنه في موسكو، ثم تزوج مرة أخرى، وظلت حياته الشخصية مثقلة بالضغوط.
وبمرور الوقت تراكمت هذه الأزمات، ولم تعد المواجهة مع العالم الخارجي وحدها هي المشكلة؛ فقد بدأ الصراع يمتد إلى داخله.
كانت حياته سلسلة من الأحلام التي تصطدم بالواقع، ومن محاولات المقاومة التي تستنزف صاحبها.
ومع ذلك لم يتوقف إبداعه، بل ظل ينتج رغم الأزمات، وكأن الكتابة أصبحت آخر ما يتمسك به في مواجهة الانهيار.
احتشدت في حياة نجيب سرور مفارقات كثيرة: القرية والمدينة، الفقر والسلطة، الحلم والواقع، الوطن والغربة، الحب والفقد، الإبداع والانهيار.
وكانت صورة أبيه تحت حذاء العمدة نقطة البداية؛ فمن تلك اللحظة بدأ رفضه لعالم يرى فيه الإنسان مقهورًا أمام القوة.
ثم اتسعت الدائرة من القرية إلى المدينة، ومن المدينة إلى الغربة، ومن التجربة الشخصية إلى الهم العام، واتخذ المسرح والكلمة وسيلته للتعبير والمقاومة.
لكن الضغوط لم تتوقف، وتراكمت الخيبات والأزمات حتى أصبح الصراع الذي خاضه مع العالم صراعًا داخليًا كذلك.
وهنا تكمن مأساة نجيب سرور: أنه قضى حياته يحاول مقاومة عالم لم يرض عنه، حتى أصبح هذا العالم، بكل صدماته وهزائمه، يسكن داخله.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة