حسام الدين علام

القانون الدولي والأمن المائي للدول

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 01:01 ص


تبدأ قضية الأمن المائي من حقيقة قانونية وإنسانية واضحة: الماء مورد للحياة قبل أن يكون موردًا للإدارة أو التنمية. وحين يكون هذا المورد عابرًا للحدود، لا تبقى إدارته شأنًا فنيًا داخليًا؛ لأن أثر القرار المائي قد ينتقل من دولة إلى أخرى، ومن منشأة مائية إلى أرض زراعية، ومن جدول تشغيل إلى أمن غذائي وصحي واجتماعي لملايين البشر.

ومن هنا نشأ قانون المجاري المائية الدولية؛ ليقيم توازنًا بين حق الدول في التنمية وحق الشعوب في الأمن المائي. فهو لا يعارض المشروعات التنموية، ولا يجمد حق الدولة في الانتفاع بمواردها، لكنه يقرر أن استخدام المورد المشترك يجب أن يخضع لقواعد الإنصاف، وعدم الإضرار، والتعاون، والإخطار، والشفافية، وحسن النية.
المفاهيم الأساسية
يقصد بالأمن المائي قدرة الدولة على ضمان مياه كافية وآمنة ومستدامة لسكانها وقطاعاتها الحيوية، مع حماية هذا التوافر من المخاطر الجسيمة التي قد تنشأ عن تقلبات طبيعية أو تدابير منفردة ذات أثر عابر للحدود. وهو بهذا المعنى يتصل بالشرب، والغذاء، والصحة، والزراعة، والطاقة، والبيئة، والاستقرار الاجتماعي.
أما المجرى المائي الدولي، فهو نظام من المياه السطحية والجوفية المرتبطة طبيعيًا، تمتد أجزاؤه أو آثاره إلى أكثر من دولة. ولذلك لا ينظر القانون إلى النهر أو الحوض بوصفه مقاطع منفصلة، بل بوصفه وحدة طبيعية وقانونية واحدة، يتأثر بعضها بما يحدث في بعضها الآخر.
ويقصد بالضرر البالغ والمعتبر قانونًا الضرر الذي يتجاوز الأثر العادي أو البسيط، ويمس مصلحة حيوية أو استخدامًا مشروعًا لدولة أخرى، كإمدادات المياه، أو الزراعة، أو الصحة العامة، أو سلامة المنشآت، أو النظم البيئية، أو القدرة على التخطيط المستقر للموارد. وهذا هو المعنى الذي تعبر عنه اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧ بعبارة «ضرر ذي شأن». أما العناية الواجبة، فهي التزام الدولة باتخاذ ما يلزم من إجراءات معقولة ومتاحة لمنع هذا الضرر أو تخفيفه، من خلال الدراسة، والإخطار، والتشاور، وتبادل البيانات، والتشغيل الآمن.
من مجرد السيادة إلى السيادة المسؤولة
تملك الدولة، وفق القانون الدولي، حق الانتفاع بمواردها الطبيعية داخل إقليمها. غير أن هذا الحق يتخذ طبيعة خاصة عندما يتعلق بمورد مائي عابر للحدود؛ فالسيادة هنا تمارس في إطار قانوني، لأنها تتصل بمورد لا تنحصر آثاره داخل الحدود السياسية.
ومقتضى السيادة المسؤولة أن تستعمل الدولة حقها بطريقة تراعي حقوق غيرها من دول المجرى. فالمشروعية القانونية لأي مشروع مائي كبير لا تقوم على موقعه الجغرافي وحده، بل على أثره، وطريقة إدارته، ومدى احترامه للحقوق القائمة، ودرجة التزامه بالإخطار والتشاور وتبادل البيانات وقواعد التشغيل الآمن.
المبادئ القانونية الحاكمة
تقوم حماية الأمن المائي في القانون الدولي على مبادئ رئيسية وردت في اتفاقية الأمم المتحدة لعام ١٩٩٧ بشأن استخدام المجاري المائية الدولية في الأغراض غير الملاحية، وتدعمت بالممارسة الدولية والقضاء الدولي.
أولًا: الانتفاع المنصف والمعقول. فقد نصت المادة الخامسة من اتفاقية ١٩٩٧ على أن تستخدم دول المجرى المائي الدولي هذا المجرى بطريقة منصفة ومعقولة، وأن تشارك في استخدامه وتنميته وحمايته على هذا الأساس. وتوضح المادة السادسة عناصر تقدير الإنصاف، ومنها العوامل الجغرافية والهيدرولوجية والمناخية، والاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية، وعدد السكان المعتمدين على المجرى، وآثار الاستخدام في الدول الأخرى، والاستخدامات القائمة والمحتملة، وحماية المورد، وتوافر البدائل.
وهذا يعني أن الإنصاف لا يقوم على مساواة حسابية جامدة في كميات المياه، بل على موازنة قانونية بين الاحتياجات والآثار والاعتماد والبدائل. فالدولة التي تعتمد اعتمادًا جوهريًا على مورد مائي دولي لا يجوز تجاهل احتياجاتها الحيوية، كما أن الدولة الراغبة في التنمية لا تحرم من الانتفاع المشروع؛ وإنما يكون الحل في إدارة الاستخدام على نحو يحقق المنفعة دون تهديد الأمن المائي للغير.
ثانيًا: عدم الإضرار. فقد ألزمت المادة السابعة من اتفاقية ١٩٩٧ دول المجرى المائي باتخاذ كل التدابير المناسبة لمنع التسبب في ضرر بالغ ومعتبر قانونًا لدول أخرى. وهذا المبدأ لا يحظر كل أثر، لكنه يمنع الأثر الجسيم الذي كان ممكنًا توقعه أو تجنبه أو تخفيفه. لذلك لا يقاس الالتزام بالنية وحدها، بل بالسلوك: هل أجريت الدراسات؟ هل تم الإخطار؟ هل تبودلت البيانات؟ هل جرى التشاور بحسن نية؟ هل وُضعت قواعد للجفاف والطوارئ وتقليل الخطر؟
ثالثًا: التعاون وتبادل البيانات. فقد نصت المادة الثامنة من الاتفاقية على تعاون دول المجرى المائي على أساس المساواة في السيادة، والسلامة الإقليمية، والمنفعة المتبادلة، وحسن النية. كما قررت المادة التاسعة واجب التبادل المنتظم للبيانات والمعلومات المتاحة عن حالة المجرى، ولا سيما البيانات الهيدرولوجية والمناخية والبيئية ونوعية المياه. ومعنى ذلك أن التعاون التزام قانوني عملي، لا مجاملة سياسية؛ لأن التخطيط للمياه والزراعة والطاقة والطوارئ يحتاج إلى بيانات منتظمة وقابلة للفحص.
رابعًا: الإخطار المسبق والتشاور. فقد قررت المادة الحادية عشرة من اتفاقية ١٩٩٧ تبادل المعلومات والتشاور والتفاوض عند الاقتضاء بشأن الآثار المحتملة للتدابير المزمع اتخاذها، ونصت المادة الثانية عشرة على وجوب إخطار الدول الأخرى مسبقًا إذا كان للتدابير المخطط لها أثر ضار محتمل وبالغ، مع تزويدها بالبيانات الفنية المتاحة. كما منحت المادة الثالثة عشرة الدولة المخطرة مدة ستة أشهر لدراسة الآثار المحتملة والرد.
وهذه القواعد تجعل الإخطار والتشاور ضمانتين أساسيتين لحماية الثقة. فالغرض منهما تمكين الدولة المحتمل تأثرها من دراسة المشروع، وتقدير أثره، وإبداء ملاحظاتها على أساس علمي وقانوني، قبل أن يتحول الخطر المحتمل إلى أمر واقع.
خامسًا: تقييم الأثر البيئي والاجتماعي. وقد أكدت محكمة العدل الدولية، في حكمها في قضية مصانع اللب على نهر أوروجواي عام ٢٠١٠، أن تقييم الأثر البيئي يصبح واجبًا عندما يكون هناك خطر لضرر عابر للحدود. ووظيفة هذا التقييم ليست تعطيل المشروعات، بل كشف المخاطر، واقتراح تدابير الوقاية والتخفيف، وبناء الثقة الفنية بين الدول المعنية.
الاتفاق المُلزم وضَمان التشغيل الآمن
تَظهر أهمية المبادئ السابقة بوضوح في المشروعات الكُبرى ذات الأثر الواسع على التخزين أو التشغيل أو انتظام التَدفق. ففي هذه الحالات، لا يكفي إعلان الالتزام العام بالقانون الدولي، بل يلزم تحويل المبادئ إلى ترتيبات واضحة وملزمة تنظم الملء والتشغيل، وتحدد قواعد الجفاف والجفاف الممتد والطوارئ، وتنشئ آلية منتظمة لتبادل البيانات، وتوفر مسارًا لتسوية الخلافات الفنية والقانونية.
والاتفاق الملزم لا ينتقص من حق التنمية، بل يمنحه استقرارًا وشرعية أعمق. فهو يحمي دولة المشروع من اتهامات التعسف، ويحمي الدول المتأثرة من الخطر غير المتوقع، ويحمي المورد ذاته من الإدارة المتقطعة أو غير المنسقة. كما يسمح لكل طرف بالتخطيط لمرافقه وزراعته واحتياجات سكانه على أساس معلوم، بدل أن يظل رهين تقديرات منفردة أو قرارات مفاجئة.
البعد الإنساني للأمن المائي
اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في القرار ٦٤/٢٩٢ لعام ٢٠١٠، بالحق في مياه شرب مأمونة ونظيفة وخدمات صرف صحي بوصفه حقًا إنسانيًا لازمًا للتمتع الكامل بالحياة وسائر حقوق الإنسان. وهذا الاعتراف يضع الأمن المائي في موضعه الصحيح: قضية إنسان قبل أن تكون قضية منشآت أو حسابات فنية.
فالمياه التي يعتمد عليها شعب في الشرب والغذاء والعمل لا يجوز التعامل معها كرقم مجرد أو عنصر قابل للمجازفة. إنها شرط للحياة الكريمة، وعنصر في استقرار المجتمع، وجزء من واجب الدولة في حماية مواطنيها. لذلك تتلاقى قواعد القانون الدولي للمياه مع حقوق الإنسان والتنمية المستدامة، خاصة الهدف السادس المتعلق بضمان توافر المياه وإدارتها إدارة مستدامة للجميع.
خلاصات قانونية
أولًا: الموارد المائية العابرة للحدود تخضع لقواعد قانونية تنظم استعمال السيادة وتمنع الإدارة المنفردة ذات الأثر الضار.
ثانيًا: الانتفاع المنصف والمعقول يوازن بين حق التنمية وحق الأمن المائي، مع اعتبار خاص لدرجة الاعتماد على المورد وغياب البدائل العملية.
ثالثًا: منع الضرر البالغ والمعتبر قانونًا يفرض التزامًا بالعناية الواجبة، والدراسة، والوقاية، والتخفيف، والتشاور.
رابعًا: الإخطار المسبق وتبادل البيانات وتقييم الأثر ليست إجراءات شكلية، بل ضمانات قانونية لحماية الثقة ومنع الضرر.
خامسًا: المشروعات الكبرى ذات الأثر العابر للحدود تحتاج إلى ترتيبات ملزمة وواضحة بشأن الملء والتشغيل والجفاف والطوارئ وتسوية الخلافات.
سادسًا: الأمن المائي يرتبط بحقوق الإنسان والتنمية والاستقرار، ولا يجوز اختزاله في اعتبارات فنية أو اقتصادية مجردة.
وفي الختام، يقوم القانون الدولي للأمن المائي على حكمة مستقرة: المورد المُشترك يحتاج إلى إدارة رشيدة تراعي أثره المشترك. فالماء لا يعرف الحدود بالطريقة التي تعرفها الخرائط، وآثار استخدامه تنتقل من القرار الفني إلى حياة البشر. وكلما التزمت الدول بالإنصاف، والعناية الواجبة، والإخطار، والشفافية، والاتفاقات الملزمة، تحولت المياه من مصدر قلق إلى أساس للاستقرار. ومن هنا فإن الدفاع عن الأمن المائي ليس موقفًا عابرًا، بل مطالبة قانونية راسخة بأن تظل التنمية منسجمة مع الحق، وأن يظل الماء موردًا للحياة والكرامة وحسن الجوار وسيادة القانون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة