أموال جُمعت باسم غزة، ونداءات تبرع ملأت المنصات، ومؤسسة رفعت شعار نصرة القطاع، ثم خرجت الاتهامات من خلف الأبواب المغلقة إلى العلن، لتفتح واحدة من أخطر أزمات المال داخل دوائر الإخوان بالخارج تتمثل في أين ذهبت التبرعات التي جُمعت لإنقاذ أهالي غزة؟القصة بدأت مع "وقف الأمة" المؤسسة التي تنشط في الخارج لجمع التبرعات والمساعدات، قبل أن يتحول اسمها إلى محور خلافات واتهامات متبادلة.
جاء ذلك بعدما أعلن أن المبلغ حوالى 500 مليون دولار كان من المفترض أن تصل إلى أهالى قطاع غزة لتساعدهم في مصابهم وما يعانوه منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 من عدوان غاشم سارعت الدولة المصرية لمساعدة أشقائنا بكافة الطرق ورغم كل ذلك لم نسمع صوت أحد أعضاء الجماعة الإرهابية يندد بما يفعله الاحتلال الإسرائيلي في حق أهالى القطاع، بينما نظموا وقفوا احتجاجية أمام السفارة المصرية في تل أبيب يتهمون فيها الدولة المصرية بالتقاعس عن مساعدة أهل غزة وفي الوقت ذاته يستولون على التبرعات التي كانت من المفترض أن تذهب إليهم، ظنا منهم أن هذه الوقفة الاحتجاجية وأكاذيب إعلامهم ولجانهم الإلكترونية ستغطي على جريمتهم التي لن ينساها التاريخ إلا أنها فضحتهم أكثر، فكيف تقف في حراسة المحتل تحاول تشويه الدور المصري في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين ولم توجه ولو عتاب صغير للمحتل الذي تتحامى فيه وهو من يقتل في أبناء غزة؟
من تبرعات غزة إلى أزمة وقف الأمة
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الأموال، بل امتدت إلى معركة على المنصات والحسابات، ظهر فيها اسم خالد منصور بعدما نشر معلومات وانتقادات بشأن ملف "وقف الأمة"، قبل أن يظهر في رواية الباحث ماهر فرغلي اسم آخر أكثر غموضا وهو صهيب داوود خلف، المعروف باسم صهيب الكاشف.
وقف الأمة يقدم نفسه كجهة تعمل في المجال الوقفي والإغاثي، ويواصل حتى الآن إطلاق حملات مرتبطة بغزة والقدس، لكن الأزمة انفجرت بعدما ظهرت تقارير تتحدث عن خلافات حول الأموال التي جمعت تحت لافتة دعم غزة، وتداول رقم 500 مليون دولار باعتباره تقديرا لحجم الأموال محل الجدل، مع التأكيد على غياب كشف مالي مستقل يحسم الرقم.
وفي يناير 2024، ظهر بيان منسوب إلى إحدي الجبهات الإخوانية بشأن "وقف الأمة" ومؤسسات أخرى، تضمن رفع الغطاء عنها والتحذير من التعامل معها، وهو البيان الذي أصبح لاحقا أحد أهم مفاتيح إعادة فتح ملف التبرعات وهنا تحديدا بدأت القصة تأخذ شكلا مختلفا: لم يعد السؤال من يدعو إلى التبرع، وإنما أين تذهب الأموال بعد أن يدفع الناس؟
نصف مليار دولار.. رقم ثقيل في ملف لا يحتمل الغموض
رقم 500 مليون دولار تحول إلى عنوان رئيسي في الحديث عن تناول الأزمة فيما يخص تبرعات دفعها مواطنون ومتبرعون جُمعت باسم قطاع يعيش واحدة من أقسى الأزمات الإنسانية أي أن كل دولار جرى جمعه كان يفترض أن يتحول إلى غذاء أو دواء أو مأوى أو وسيلة إنقاذ.
خالد منصور.. الحساب الذي فتح الملف
مع اتساع الجدل ظهر اسم خالد منصور، الذي نشر عبر منصات التواصل معلومات وانتقادات بشأن «وقف الأمة»، ووسع دائرة الأسئلة حول الجهات التي تجمع الأموال باسم غزة وهنا لم تعد المعركة حول المال فقط، وإنما انتقلت إلى سؤال آخر أكثر حساسية وهو ماذا يحدث عندما يحاول شخص من داخل الدائرة نفسها كشف ما يراه مخالفات أو تجاوزات؟ وهذا السؤال يقود مباشرة إلى الخيط الذي ظهر لاحقا حول صهيب الكاشف.
صهيب الكاشف.. الاسم الذي ظهر خلف معركة الحسابات
بحسب رواية الباحث ماهر فرغلي، فإن صهيب داوود خلف، المعروف باسم "صهيب الكاشف"، يرتبط بشبكة من اللجان الإلكترونية التابعة للإخوان في الخارج، وأنه كان وراء تحرك استهدف خالد منصور بعد نشره معلومات تتعلق بملف "وقف الأمة".
كما قال فرغلي، إن صهيب كلف عز الدين دويدار بملاحقة خالد منصور والعمل على إغلاق حسابه بسبب ما نشره حول "الوقف الإسلامي»"، كما اتهم فرغلي دويدار بالحصول على مقابل مالي شهري من أموال مرتبطة بالشبكة.
وهنا يأتي السؤال: لماذا يتحول كشف ملف مالي إلى معركة إلكترونية تستهدف الحساب الذي يتحدث عنه؟
من صهيب إلى دويدار.. ملاحقة كاشف التبرعات
الرواية التي طرحها فرغلي ترسم خطا يبدأ من صهيب الكاشف، ويمر بعز الدين دويدار، وينتهي عند خالد منصور فلم يكن الخلاف مجرد مواجهة شخصية بين حسابات على مواقع التواصل، وإنما محاولة لاستخدام الأدوات الإلكترونية في التعامل مع ما نشره منصور حول التبرعات.
وهنا يصبح السؤال أكثر تحديدا هل كانت المعركة الإلكترونية محاولة للرد على اتهامات، أم محاولة لإسكات من يطرح أسئلة حول الأموال؟
المال والرواية.. معركة واحدة بأداتين
القضية تكشف في الوقت نفسه عن وجه آخر للصراع داخل دوائر الإخوان بالخارج فالمال يمنح النفوذ، والمنصات تمنح القدرة على تشكيل الرواية، والحسابات الإلكترونية تستطيع تحويل المعركة من ملف مالي إلى معركة تشويه أو دفاع أو إسكات.
ولهذا فإن ملف "وقف الأمة" لا يمكن قراءته فقط باعتباره قضية تبرعات، وإنما باعتباره أيضا صراعا على من يملك المال ومن يملك المعلومة ومن يملك حق الحديث باسم غزة.