عبد الحليم محمود

أنا لم أرَ العبور

الإثنين، 05 أكتوبر 2026 10:21 م


وُلدت بعد حرب أكتوبر بعامين، لم أكن هناك حين عبر الجنود قناة السويس، ولم أسمع صوت الطلقة الأولى، ولم أرَ العلم المصري يرتفع على الضفة الأخرى.

لكنني عرفت أكتوبر من بيتنا؛ من فرحة أمي بالنصر، ومن دموعها حين تتذكر أخاها الشهيد. كنت طفلًا لا أفهم كيف تجتمع الدموع والفرحة في لحظة واحدة. ثم كبرت، وفهمت أن بعض الدموع لا تكون للحزن وحده؛ فهناك دموع تنزل لأن القلب لا يجد وسيلة أخرى ليقول: لقد انتصرنا، وكان لنا في هذا النصر أحبة دفعوا أعز ما يملكون.

وحين نقرأ عن أكتوبر، نقرأ عن العبور، وعن التخطيط والإعداد، وعن الجنود الذين استعادوا الأرض والكرامة. لكن وراء كل صورة في كتب التاريخ حكاية إنسانية لا تظهر في الصورة. أم ترفع رأسها فخرًا بابنها، وأسرة تعرف أن اسمها صار جزءًا من ذاكرة الوطن.

ولهذا لم يكن السادس من أكتوبر مجرد يوم انتصر فيه الجيش المصري في معركة، بل كان يومًا استعادت فيه مصر ثقتها بقدرتها على الفعل. عبرنا القناة، نعم، لكننا عبرنا معها حاجزًا من الخوف كان قد طال أكثر مما ينبغي.


واليوم، حين ننظر إلى مصر، ندرك أن لكل زمن عبوره. لم تعد المسألة قناة نعبرها بجنود ومعدات، وإنما تحديات تحتاج إلى علم وعمل وإرادة: اقتصاد أقوى، ومعرفة أوسع، وتكنولوجيا تفتح أبواب المستقبل، وتنمية تليق بما نطمح إليه. والأداة قد تتغير، لكن القاعدة لا تتغير: ما من إنجاز كبير يأتي مصادفة. كان وراء أكتوبر إعداد وصبر وانضباط وثقة، وما نحتاج إليه اليوم هو الروح نفسها، في ميادين جديدة.

فالأوطان لا تعيش على ذكريات انتصاراتها، وإنما تستمد من تلك الانتصارات القدرة على صناعة انتصارات أخرى.


أما دموع أمي، فقد فهمت معناها بعد أن كبرت. لم تكن دموع حسرة على حرب، وإنما دموع أم تذكرت أخاها، وافتخرت بأنه كان واحدًا ممن كتبوا بدمائهم صفحة من صفحات النصر. ولهذا، حين يأتي أكتوبر، لا أتذكر الحرب بقدر ما أتذكر ما صنعته في وجداننا: وطنًا استعاد ثقته بنفسه، وجيلًا عرف أن المستحيل ليس قدرًا. وأنا الذي لم أرَ العبور بعيني، رأيت فرحته في عيني أمي؛ دموعًا لم تكن على ما فقدناه، بقدر ما كانت فخرًا بما حققناه.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة