خمسون سنة زمنية بين يومين/ رجلين، ومثلها ضوئيّة تفصلهما على مقياس الرشد والبصيرة؛ وإن فجّر أحدهما الضوء فى الحقيقة، وتسبّب الثانى فى ظلامٍ عميم.
ولا قياس فى النتائج على أىّ وجهٍ كان؛ إذ الفارق أوسع كثيرًا ممّا يجبره أىُّ عسفٍ أو تقريب.
قائدان فى الشكل، ولا مقارنة على الإطلاق فى المضمون؛ إلا ما أراده الجديد من حيث سعى للاستضاءة بتجربة القديم، أو مزاحمتها فى الشرعية والمكانة الاستثنائية.
وربما استكمال مسيرة أسلافه فى القصاص منه، بعدما طاردوه بالتشنيع حيًّا، وأردوه قتيلا فى يوم مجده، وما زالوا عاجزين عن مطاولته ميتا، أو الصمود أمام قامته السامقة.
لا تخفى تفاصيل المحاكاة، بدءا من اختيار الشهر واليوم، وأن يكون السبت المتزامن مع موسم الأعياد نفسه، مع البحث عن حلول إبداعية للقفز على مانع عالٍ يتحصن العدو وراءه.
وذلك؛ مع مَنْح العملية اسما يدغدغ العاطفة، ويختزل القضية كلها فى نزوة فصيلٍ من فصائلها، تحركه حسابات أيديولوجية وائتلافية، دون الإجماع وفوق الوطن.
لطالما انشغلت بالتفكير فى حال السادات قبل يومٍ من العبور. رئيس تسلم بلدا مهزوما ومحتلا، ومن كانوا سببا فى الهزيمة ناصبوه العداء والمزايدة، وظلوا مستميتين فى تأليب الشارع عليه.
ومهما كان حجم الاستعداد والثقة؛ فالحرب ماكرة، والخصم قوى، والطابور الخامس متحفز، والإخفاق قد يحمله خطايا سلفه، ويضيف فاتورة الدم إلى وزر الاحتلال، فضلا على خشية أن تسوء الأمور ويتمدد المحتل.
فى السنوات الثلاث الأخيرة، أضفت يحيى السنوار إلى قائمة التدبر فى الاختيارات، وكفاءة القيادة؛ لا سيما فى أوقات المِحن الكبرى. والفارق بين الجرأة المحسوبة والاندفاع الغبى.
والأهم من كل ذلك؛ شروط اتخاذ قرارات انتحارية بمعزلٍ عن أصحاب المصلحة والمَعنيِّين الفعليِّين/ أى القرابين المدفوعة إلى المذبح جَبرًا، بلا مشورةٍ أو اختيار.
لعلّ الصغير أراد أن يسير على هَدى الكبير؛ لكننى أرتاح إلى أنه كان يبتغى مُنازعته، وإحلال ذكرى مُستحدثة محلّ ذاكرة راسخة.
لا أفصلُ الفِعلَ عن صاحبه، ولا ما يطرأ على سطح الأحداث، عن مُسبّباته من الاعتقاد والانتماء والتنشئة. وحماس ذات جذور إخوانية؛ وإن أنكرتها، وعموما لا تُنكر طبيعتها الأُصوليّة.
آباؤهم فى التنظيم، ومَن نبتوا من أضلاعه، كانوا أدنى إلى الإنجليز من الحركة الوطنية، اغتالوا الخصوم ما تيسّر لهم، وترصّدوا للبقيّة، ومَن لم يُشارك منهم فى دم السادات؛ فقد فرح فيه ورقص وبرّأ القتلة.
ولا يُنسَى أن الجماعة عندما تسنّمت الحُكم فى مصر، وحلّت عليها ذكرى أكتوبر فى العام 2012، استدعت المُجرمين تحت لافتة الاحتفال، وللنكاية وقتل الرجل مرّة ثانية على وجه الحقيقة.
وهكذا يبدو المُخطط الزمنى على تلك الصورة: فإنهم شاغبوه، ثم قتلوه، وولغوا فى دمه وسيرته عقودًا، وصولاً للاحتفاء بقاتليه، والطعن فى إنجازه العظيم؛ وحتى السعى لاختراع بديلٍ عبثى كمُقامرة الطوفان.
غير أن الأصيل يتميّز بالدخيل، وتتضاعف قيمته الرمزية والمادية، وهذا ما جرى لأكتوبر الأول بالمقارنة مع الثانى، من جهة الأخذ بالأسباب، والحساب على النتائج.
يستعير الإخوان آية «وأعدوا لهم ما استطعتم...» شعارًا، والفكرة راسخة لدى الإسلاميين عمومًا. إنما فى التطبيق، تكتشف أن السادات أكثر دراية بالدين ومقاصده منهم جميعًا.
تحضّر كما يجب، وقاس المنافع على المخاطر، وذهب إلى الميدان بحسابٍ عاقل؛ ثم عاد قبل أن ترتد عليه الوقائع، وبما لا يخصم من نصره بالقوّة، ويكفى لأن يسند خُطاه فى السياسة.
والنتيجة؛ أنه أثبت البأس، واستردّ الأرض، ورفع راية الكرامة عالية من يومها للآن. سيناء كاملة فى عُهدة أهلها، وإسرائيل تلعق جراحها، وقد ذاقت هزيمتها الوحيدة أمام العرب، وُدفِعَت للوراء بغلظة، فى انكماشٍ نادرٍ عليها للأسف.
وفى المقابل؛ فالطوفان أعادها إلى غزّة، وسوّى القطاع بالأرض، وخصم من السكان زهاء مائة ألفٍ أو يزيد، وربما أضعاف ذلك لو حسبنا من ماتوا نفسيًّا أو كفروا بالحُلم المُعلّق.
وإلى ذلك؛ فقد مهّد الأرض لتصعيدٍ لا سابق له. وقدّم الذراع لليمين المُتطرّف أن ينفلت لآخر مدى، ويبدأ مُخطط ضمّ الضفة الغربية، ويتوسّع فى سوريا ولبنان، ويصل إلى إيران نفسها بعد عقودٍ من الخوف والحذر.
باختصار؛ كان «أكتوبر السادات» وبالاً على الصهيونية، بما لم تُجرّبه من قبل. فيما أهداها «أكتوبر السنوار» ما لم تحلُم به، ومنحها قاعدة تنطلق منها إلى تأسيسها الثانى، فكأنه نكبة مَزيدة ومُنقحة عن النسخة الأولى!
تستند سردية التيارات الأصوليّة على أن المحنة فى غيبة الإطار، والعزّ فى تديين المُجتمع بالخلافة أو بغيرها. لهذا؛ لا يضيقون بشىء أكثر من النجاح تحت مظلة مدنيّة، وإثبات تلفيقهم وسوء مُعتقدهم بالبيّنة والأفعال.
سبق لأحد الشيوخ أن فرح بهزيمة يونيو 1967، وجاهر بذلك لاحقا. مرّ الرجل على الإخوان فى شبابه؛ والفكرة واحدة بالانتماء أو بدونه.
وستجد فى الأرشيف القريب احتفالات إخوانية بالنكسة، ومآتم ومُكايدات فى أكتوبر، ورعاع يتحدثون عن نصر إسرائيل، وآخرون يتلطّون وراء جُملة «تحريك لا تحرير».
وليس بعيدًا من ذلك؛ أن يتظاهر الإخوان أمام السفارة المصرية فى تل أبيب؛ فكأنهم يغسلون وجه إسرائيل.
ولو حضروا زمن الحرب بالمنطق نفسه؛ لاصطفّوا على دُشَم بارليف أو جالسوا الصهاينة فى الدبابات. والمؤكد أنهم كانوا سيُتقنون العِبرية ويغطسون فى سرديّتها المُلفّقة.
مصر المُنتصرة صكّت نموذجًا لا يقبل المحو، ويصلح للتكرار، ويؤكد أن الأمور تُؤخَذ بحقّها، وبالتدرُّج، والسياسة سلاح قد يتفوّق أحيانًا عن الرصاص.
وأهم من ذلك؛ أن الرابطة الوطنية لا تقل صلابة عن الدينية، وصبغ القضايا العادلة بالأيديولوجيا يُجزّئ ولا يُجمّع، ويُضِعفُ بأكثر مِمّا يُقوّى.
اكتسب أكتوبر مكانة أعلى، واكتنز بمعانٍ إضافية، وتعاظمت قيمة السردية ووهجها، ومُوجبات الاحتفال بها سنة بعد أخرى.
حُرِّرت الأرض من الاستقطاب قبل الاحتلال، وفشل الأُصوليّون فى التشغيب، وعندما حاولوا إنجاز تجربتهم المضادّة، تسببوا فى موت وخراب واحتلالات أكبر.
وما نفعتهم لافتة المُمانَعة، ودعايات وحدة الساحات، وأثبتوا أنهم عبء على القضايا، يخدمون العدوّ، ويتخادَمون معه أيضًا، بقصدٍ أو اعتباط، من جهة الرجعية والتطرف وتشويه الإنسانى بالأُصولىّ والطائفى.
لا يتساويان إطلاقًا: داهية كسب كل ما أراد، وأغبياء بدّدوا ما لديهم وفى حوزة غيرهم أيضًا، وأعانوا الجُناة على الأبرياء.
العُقلاء يعرفون قيمة الأول، ويحيون ذكراه، ويحتفلون بما حققه بالبأس والحكمة، وراح فى سبيله شهيدًا عزيزًا.
أمّا المُغرضون؛ فيقفون كعادتهم على الأطلال، يلعقون الجراح، يرون فى الخيبةِ مفازةً، ويُصوّرون الهزيمة نصرًا، ويرقصون دومًا على إيقاع العدوّ.