في شهر أكتوبر من كل عام، تطل علينا أعظم ذكرى لمصر والعرب في التاريخ الحديث، ذكرى يوم العزة والكرامة، حيث تحتفل مصر بانتصار السادس من أكتوبر 1973م، النصر الذي استعادت به مصر أرضها وكبرياءها، بل وكبرياء الأمة العربية قاطبة، بعد أن وجهت للعدو ضربة قاصمة وأذاقته مرارة الهزيمة على يد جنود مصر الأبطال.
وكما قال الرئيس السادات، إن هذا اليوم يأتي كي "نتذكر وندرس ونعلم أولادنا وأحفادنا جيلاً بعد جيل، قصة الكفاح ومشاقه ومرارة الهزيمة وآلامها وحلاوة النصر وآماله..."
إن تلك الذكرى – ورغم مرور 53 عامًا – ما زالت تمثل للعدو الإسرائيلي كابوسًا مزعجًا، وذكرى أليمة، فقد سقطت في ذلك اليوم أسطورة العدو الذي لا يقهر، وتحطم أعظم حصن أقامته إسرائيل، "خط بارليف"، الذي قال عنه وزير دفاع العدو "موشى ديان" إنه الحصن الذي لا يقهر، ولكي تعبره تحتاج سلاح المهندسين الأمريكي والروسي، ولن تقهره.
نعم، تمكن الجيش المصري في السادس من أكتوبر 1973 من القيام بخداع استراتيجي، وتحقيق مفاجأة تكتيكية كبرى بهجومه على تحصينات العدو التي كانت تبدو عصية على الاختراق، وكبّد العدو خسائر فادحة على المستويين العسكري والمعنوي.
بعد الحرب، ومع هذا النصر، أصبح للرئيس السادات مكانة استثنائية؛ فهو أول زعيم عربي يستعيد فعليًا الأراضي التي احتلها العدو، وارتفعت مكانته وسط شعبه وجيشه وعلى الساحة الدولية، ليُنظر إليه باعتباره بطلاً قوميًا أعاد لمصر وللأمة العربية كرامتها وثقتها بنفسها. ولم يكن نصر أكتوبر مجرد إنجاز عسكري فحسب، بل كان مقدمة لتحولات سياسية ودبلوماسية كبرى غيّرت وجه المنطقة.
من الطبيعي أن تؤرق هذه الذكرى العدو الإسرائيلي، شعبًا وجيشًا، ولكن من غير الطبيعي أن يحاول البعض منا الانتقاص من هذا النصر. لقد أصبحت ذكرى نصر أكتوبر العظيم مناسبة للطعن والهجوم على الرئيس السادات، من قبل الناصريين واليساريين وغيرهم من كارهيه وكارهي النصر، وكان الرئيس السادات، رحمه الله، يقول: لقد ترك لي عبد الناصر تركة من الحقد لا أعرف كيف أتعامل معها.. والتركة ما زالت تتكاثر وتتوالد..
عندما يطل علينا هؤلاء عبر القنوات والمنصات مستهدفين التقليل من النصر أو من الرموز التاريخية لمصر، فهم يستهدفون ذاكرة الأمة، ويحاولون النيل من هذا الإنجاز وقادته وزعزعة الثقة بقدراتنا، بل والإيهام بأننا كمصريين غير قادرين على صناعة النصر.
الرئيس السادات كان تفكيره سابقًا لعصره، وكان فعلًا بطل الحرب والسلام، ذكيًا وداهية كما وصفته وسائل الإعلام. هو صاحب قرار الحرب، وصاحب قرار السلام، وفي كلا القرارين أذهل العالم وأدهش الجميع. لم يشفع له عند الناصريين والإخوان والبعثيين، الذين حاولوا تشويهه - حتى الآن - وبكل الطرق، انتزعوا منه كل إنجاز وسلبوه فضائله ونجاحاته، واتهموه بالعمالة والانقلاب على مبادئ ثورة يوليو، وشنوا عليه حملات مسيئة لتاريخه. إن كراهية هؤلاء للسادات ترجع لكشفه مخططاتهم وتمسحهم بعبد الناصر في سبيل الوصول للحكم والانفراد بالسلطة، لذا أزاحهم من السلطة في 15 مايو 1971....
ولكننا لسنا اليوم في موضع التنابذ والمبارزة مع كارهي النصر وأعداء السادات، نحن اليوم نبرز وجهًا من أوجه نصر أكتوبر، ألا وهو خطة الخداع الاستراتيجي.
فقد عمل الرئيس السادات مع قيادات الدولة المصرية، قبل الحرب، على خطة التنسيق بين جهات ووزارات عديدة لتطبيق الخداع الاستراتيجي، فتم نشر أخبار سلبية عن الاقتصاد وعدم قدرة مصر على خوض أي معركة، وقَبِل السادات مبادرات حل الأزمة في إطار الأرض مقابل السلام، وقَبِل زيارة وزير الدفاع الروماني لمصر في 8 أكتوبر، وتم التنسيق سرًا مع اليمن لتواجد المدمرات المصرية تحت ستار إجراء عمرة في باكستان لغلق باب المندب في وجه الملاحة من وإلى إسرائيل مع بدء الحرب ولمدة خمسة أشهر، لحرمانها من البترول الإيراني، مما أثر سلبًا على القوات الإسرائيلية.
كما قامت القوات المسلحة المصرية بالإعلان عن تعبئة أفراد القوات المسلحة سرًا وتسريح 30 ألف جندي علنًا وإعادة استدعائهم سرًا، وتمت تغطية الحدث إعلاميًا للتسريح وتكرار ذلك لحين إتمام خطة التعبئة، كما تم تحريك الكباري المعدة للعبور على القناة مجزأة ليلًا وإخفاؤها، مع سحب القليل منها مجمّعًا نهارًا للخلف حتى يرصده العدو.
نعم، ستظل ملحمة أكتوبر، ببطولاتها، عصية على أي محاولة للنيل منها أو التشكيك فيها. إن التاريخ لا يكتب بأقلام الكارهين، بل يكتب بإنجازات تحققت وواقع ملموس، يكتب بأقلام القادة الذين غيّروا خريطة المنطقة وفرضوا إرادتهم على الجميع وقت الحرب ووقت السلم. مهما تنوعت محاولات الطمس أو التشويه، سيبقى صانع قرار الحرب والسلام قامة تاريخية أثبتت أن الإرادة المصرية والعربية قادرة على انتزاع كرامتها بالقوة عند اللزوم، وصيانتها بالسلم والأمن والحكمة.