من أكثر الأشياء قسوة في الحياة، أن تجد نفسك يوما مضطرا للدفاع عن صورة لم تصنعها، أو تبرير تصرف لم يعرف أحد ظروفه، أو مواجهة أحكام بُنيت عنك دون أن يمنحك أصحابها فرصة واحدة لتقول ما لديك.
المؤلم ليس فقط أن يساء فهمك، بل أن تعرف أنك أُسيء فهمك، وأن هناك من كون عنك انطباعًا لا يشبه حقيقتك، بينما لا تملك فرصة مناسبة لتصحيح هذا الانطباع.
فليس من السهل أن تذهب إلى كل شخص سمع عنك شيئا أو فهم منك موقفا بطريقة خاطئة لتقول له: انتظر أنت لا تعرف الحكاية كاملة. وليس من المنطقي أن تقف في كل مرة تشرح موقفًا لم يسألك عنه أحد، أو تبرر تصرفًا لم يكلف أحد نفسه عناء فهم أسبابه.
فبعض المواقف لها ظروف لا تظهر على السطح، وبعض التصرفات تقف خلفها حكايات من التعب والخذلان والضغوط، وبعض الصمت ليس اعترافا، بل عجز عن الدخول في معركة تبرير لا يعرف الإنسان من أين يبدأها.
كم من شخص ظُلم في أعين الآخرين لأنه لم يتحدث، وكم من إنسان خسر صورته الطيبة لدى البعض لأنه لم يجد الوقت أو الفرصة أو حتى الرغبة في شرح ما حدث!
والأصعب أن تجد نفسك أحيانا أمام أحكام لم تواجهك بها أصحابها، ولم يمنحوك فرصة للرد عليها وكأنك مطالب بأن تكتشف وحدك ما قيل عنك، ثم تبحث عن طريقة لتصحيح شيء لم يُطرح أمامك من الأساس.
وهنا يصبح الصمت أكثر إيلامًا؛ لأنك لا تستطيع أن تشرح لكل من أساء فهمك، ولا يصح أن تظل تلاحق الآخرين لتثبت لهم أنك لست الشخص الذي تخيلوه.
نحن لا نطالب الآخرين بأن يصدقونا دائما، ولا أن يمنحونا أعذارًا بلا حدود، لكننا نطالبهم بشيء من الإنصاف؛ ألا يجعلوا موقفًا واحدًا حكمًا نهائيًا على إنسان، وألا يحولوا انطباعًا عابرًا إلى حقيقة ثابتة
فمن حق كل إنسان أن يُفهم قبل أن يُحكم عليه، وأن يُسأل قبل أن يُدان، وأن تكون هناك مساحة للاختلاف وسوء الفهم والتوضيح.
ليس كل من لم يشرح نفسه مذنبًا، وليس كل من صمت لا يملك حجة، وليس كل ما تعرفه عن إنسان هو كل ما حدث معه.
فلنكن أكثر رحمة في أحكامنا، فربما كان الشخص الذي أسأنا فهمه يخوض معركة لا نعرف عنها شيئا وربما كانت حكايته أكبر بكثير من الموقف الذي اختصرناه فيه.
فالحياة ليست مشهدا واحدا، والناس ليسوا مواقف عابرة، والحقيقة لا تختصر دائما فيما تراه أعيننا أو تسمعه آذاننا
تذكر دائما: لا تحكم على إنسان من موقف لم تعرف بدايته، ولا تجعل صمته دليلا على إدانته فربما كانت لديه حكاية كاملة لكنه لم يجد من يسأله عنها