لقد كرم القرآن الكريم المرأة ووضعها في مكانة كريمة ولائقة، واحترم كيانها، ولم يُفرق بينها وبين الرجل، حيث منحها حقها كإنسانة لها دور فعال في الحياة، فلقد ساوى في الحساب والثواب والجزاء بينها وبين الرجل، علاوة على تكريمه لها بحفظ حقوقها وضمان إستقلاليتها، فلقد ذكرها القرآن في أكثر من موضع، حيث إنه تم تسمية سورة كاملة باسم السيدة مريم وهي سورة "مريم"، فهذه السورة الوحيدة التي تحمل اسم امرأة، كما نسبت أكثر من مرة نسبة إلى أبيها عمران، كقوله تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ) (الآية (12) من سورة التحريم)، كما ذكرها المولى عز وجل بالنص الصريح الدال على اصطفائها على نساء العالمين في قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) الآية (42) من سورة آل عمران)، كما اعتبرها القرآن قدوة في الإيمان، حينما قال تعالى: (وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ) الآية (12) من سورة التحريم)، وشهد لها القرآن بكلمات العفة، حينما قال تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ) (الآية (91) من سورة الأنبياء).
وكذلك السيدة (آسيا بنت مزاحم) امرأة فرعون، حيث ضرب الله بها مثلاً في القرآن الكريم في الثبات وقوة الإيمان، حيث قال تعالى في كتابه العزيز: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)، فلقد عدَّها النبي (صلى الله عليه وسلم) من أفضل نساء العالمين.
كما تم تكريم ابنتي شعيب (عليه السلام)، حيث ضرب بهما المثل في العفة والذكاء وحسن الخلق، حينما قال تعالى: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) (الآية ٢٥من سورة القصص)، ووصفها القرآن بالفراسة، في إدراك حسن صفات سيدنا موسى (عليه السلام) في قوله تعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)(الآية ٢٦من سورة القصص). كما كرم القرآن ملكة سبأ (بلقيس)، حيث أبرز رجاحة عقلها وحكمتها في قيادة قومها، واهتمامها باستشارات كبار القوم قبل اتخاذ أي قرار، فلقد استشهدت برأيهم عند وصول رسالة إليها من النبي سليمان (عليه السلام) قائلة: (قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ)، علاوة على اعترافها بالحق عندما أدركت أنها كانت على خطأ، فلم تتكبر على الهداية، حيث قالت: (قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
كما خاطب الله أم سيدنا موسى في القرآن الكريم بالوحي الإلهي، حيث قال تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (الآية (7) من سورة القصص)، وكذلك قوله تعالى: (إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى * أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي) (الآيتان ٣٩،٣٨من سورة طه).
فلقد كرمها المولى عز وجل عندما تولى بنفسه ربط قلبها تثبيتًا لها في قوله تعالى: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (الآية (10) من سورة القصص)، وكرمها كذلك عندما وعدها بأن يرد إليها وليدها ويجمعها به كي لا تحزن في قوله تعالى: (فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(الآية (13) من سورة القصص)، فكانت أم سيدنا موسى مثالاً يُحتذى بها في الأم التي صبرت ورعت نبيًا من أولي العزم.
كما تم تكريم أخت سيدنا موسى (عليه السلام) في القرآن الكريم، حين تم إبراز دورها البطولي في إنقاذ أخيها الرضيع، وذلك في قوله تعالى: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ)، فلقد كانت في هذه مثالاً في الثبات الانفعالي والشجاعة، وهي تتبع أثر الصندوق الذي وُضِعَ فيها أحيها، حتى رأت آل فرعون يلتقطونه، وكذلك ذكاءها وقدرتها على تقديم المساعدة، وذلك في قوله تعالى: (فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)، وكذلك في قوله تعالى: (إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ).
وهكذا فلقد كرم القرآن الكريم المرأة وجعلها مثالاً في الشجاعة والذكاء والثبات الانفعالي والحكمة والقيادة والصبر والأمومة، وهذا في حد ذاته قمة التمكين، لأن الأخير لا ينصب فقط على المناصب والسلطة ، بل إنه في الأساس تمكين إنساني ونفسي وأخلاقي وتاريخي. وعليه، فلقد مكّنّ القرآن الكريم وجعلها في أفضل صورة على مر التاريخ.