كيف يعيد المعلمون تصميم الفصول الدراسية فى عصر الذكاء الاصطناعى؟

السبت، 31 أكتوبر 2026 04:00 ص
 كيف يعيد المعلمون تصميم الفصول الدراسية فى عصر الذكاء الاصطناعى؟ الذكاء الاصطناعي

كتبت هبة السيد

لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم مجرد وسيلة جديدة لإنجاز الواجبات المدرسية، بل أصبح عاملا يدفع المعلمين إلى إعادة التفكير في طرق التدريس وتقييم الطلاب، بعدما أتاحت روبوتات المحادثة للطلاب إمكانية الحصول على إجابات جاهزة خلال ثوان، وهو ما يطرح تحديا أمام المدارس في قياس الفهم الحقيقي وقدرة الطلاب على التفكير والتحليل.

في سان فرانسيسكو، بدأت تريستن تشانج، معلمة العلوم الإنسانية للصف السادس، إعادة تصميم أساليب التقييم داخل فصلها الدراسي منذ العام الماضي، إذ أوقفت تكليف الطلاب بكتابة المقالات في المنزل، واستبدلت بها اختبارات شفهية تقيس مدى فهمهم للمحتوى الدراسي.

وتطرح تشانج على الطلاب 15 سؤالا تتعلق بالشخصيات والحبكة والموضوعات والاستعارات في النصوص الأدبية، ويمكن للطلاب الإجابة عنها خلال خمس دقائق فقط.

وقالت تشانج إن التكنولوجيا ظلت تغير أساليب التدريس تدريجيا على مدى سنوات طويلة، لكن الذكاء الاصطناعي يمثل التحول الأكثر جذرية، مضيفة أن كثيرا من الأساليب المعتادة لم تعد صالحة كما كانت من قبل.

ومع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي التوليدي، يعيد معلمو المرحلتين الإعدادية والثانوية في الولايات المتحدة النظر في طرق تقييم التعلم، حيث يتجه بعض المعلمين إلى تقليل الواجبات المنزلية، وزيادة الكتابة والمناقشات داخل الفصول، وإعادة تصميم التكليفات لقياس طريقة تفكير الطلاب بدلا من الاكتفاء بتقييم الإجابات التي يقدمونها، وفقا لما نقلته رويترز.

لكن المؤسسات التعليمية لا تزال منقسمة بشأن كيفية التعامل مع هذه الأدوات، إذ يدعم بعض المعلمين دمجها في العملية التعليمية، بينما يفضل آخرون تقييد استخدامها، في حين يحاول فريق ثالث الوصول إلى صيغة تجمع بين الاستفادة منها والحد من مخاطر الاعتماد عليها.

وقال أنتيرو جارسيا، أستاذ التعليم بجامعة ستانفورد ورئيس المجلس الوطني لمعلمي اللغة الإنجليزية، إن البالغين يستخدمون هذه الأدوات في مجالات العمل لأغراض متعددة، لكن المؤسسات التعليمية لم تحدد بعد بصورة واضحة ما يعنيه ذلك بالنسبة إلى التعليم.

عودة التعلم إلى داخل الفصل
 

مع وصول الطلاب إلى روبوتات المحادثة عبر الهواتف المحمولة وأجهزة الكمبيوتر، يتجه المعلمون إلى نقل مزيد من الأنشطة التعليمية إلى داخل الفصول، مع زيادة الاعتماد على الكتابة أثناء الحصص والشرح المباشر والتقييم وجها لوجه.

وقال رستي شاب، معلم اللغة الإنجليزية للمرحلة الإعدادية في سان فرانسيسكو، إن الطلاب يلجأون في كثير من الأحيان إلى الذكاء الاصطناعي لإنجاز واجباتهم المنزلية عندما يشعرون بالضغط أو عدم القدرة على إتمامها.

ولمواجهة هذا السلوك، بدأ شاب تخصيص وقت أطول للكتابة داخل الفصل، وقد يستغرق العمل على مقال واحد مع طلاب الصف السابع شهرا كاملا، بما يتيح له متابعة تطور أفكارهم ومساعدتهم على بناء مهاراتهم تدريجيا.

وفي نيويورك، قلل بوبسون وونج، معلم الرياضيات بالمرحلة الثانوية، عدد أسئلة الواجبات المنزلية، وزاد التدريبات التي ينفذها الطلاب داخل الفصل، حتى يتمكن من متابعة طريقة تعاملهم مع المسائل الرياضية ومدى فهمهم لخطوات الحل.

وقال وونج إن الذكاء الاصطناعي غير طريقة تعلم الطلاب للرياضيات، وكذلك طريقة تدريسه لها.

ولا تزال آثار الذكاء الاصطناعي على التعلم محل نقاش. فقد أظهرت تجربة عشوائية أجرتها جامعة هارفارد عام 2025 أن استخدام مدرس افتراضي مخصص يعمل بالذكاء الاصطناعي ساعد على تحسين نتائج التعلم وزيادة تفاعل الطلاب.

في المقابل، وجدت دراسة محدودة أجراها مختبر الإعلام بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في العام نفسه أن الأشخاص الذين استخدموا ChatGPT في كتابة المقالات أنجزوا العمل بسرعة أكبر، لكنهم بدوا أقل انخراطا في التفكير.

ورغم اختلاف النتائج، أصبح الذكاء الاصطناعي حاضرا بالفعل في التعليم. وأظهر استطلاع أجرته مؤسسة RAND عام 2025 أن غالبية الطلاب والمعلمين في الولايات المتحدة، في مواد اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم، أفادوا باستخدام الذكاء الاصطناعي في الأعمال المدرسية.

تقييم يعتمد على التفكير لا الإجابات الجاهزة
 

دفعت سهولة الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بعض المعلمين إلى تغيير طريقة احتساب الدرجات، بحيث يصبح الأداء داخل الفصل أكثر أهمية من الواجبات التي ينفذها الطلاب في المنزل.

ففي ربيع العام الماضي، لاحظت ميجان هايلاند، معلمة اللغة الإنجليزية بالمرحلة الثانوية في إحدى ضواحي مدينة نيويورك، أن بعض الطلاب كانوا يذهبون إلى دورات المياه لاستخدام الذكاء الاصطناعي على هواتفهم، رغم وجود حظر على استخدام الهواتف داخل فصلها.

وبدأت هايلاند تطلب من الطلاب ترك هواتفهم خارج دورات المياه عند مغادرة الفصل، كما زادت وزن الأنشطة الصفية في الدرجات، وتوقفت عن الاعتماد على الواجبات المنزلية باعتبارها وسيلة أساسية للتدريب.

وقالت إن قدرتها الأساسية على التأكد من امتلاك الطلاب مهارات التفكير النقدي تعتمد على تقييم أدائهم داخل المدرسة.

ويلجأ بعض المعلمين أيضا إلى تغيير طبيعة الأسئلة نفسها، بدلا من الاكتفاء بمنع استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، فبما أن هذه الأدوات تجيد الإجابة عن الأسئلة التقليدية المتعلقة بالشخصيات والأحداث والحبكة، يحاول المعلمون صياغة تكليفات تتطلب تفسيرات مختلفة أو قراءات غير تقليدية للنصوص.

وقالت بيان روكفيلد، معلمة اللغة الإنجليزية بالمرحلة الثانوية في حي برونكس بنيويورك، إنها تحاول إعداد أسئلة لا يزال الذكاء الاصطناعي يجد صعوبة في الإجابة عنها بصورة كاملة.

ومن بين الأساليب التي تستخدمها تكليف الطلاب بكتابة مقالات تستند إلى أبحاث أكاديمية منشورة، يكون بعضها متاحا عبر منصات تتطلب اشتراكا مدفوعا، ما يجعل الوصول إليها من خلال روبوتات المحادثة أقل سهولة.

الابتعاد عن الشاشات والعودة إلى الكتابة اليدوية
 

لم يقتصر تأثير الذكاء الاصطناعي على تغيير أساليب التقييم، بل دفع بعض المعلمين أيضا إلى إعادة النظر في الاعتماد المتزايد على التكنولوجيا داخل الفصول، والعودة إلى الدفاتر والكتابة بالقلم والورقة والمشروعات العملية.

وفي إحدى ضواحي شيكاغو، يطلب ريكس أوفالي، معلم اللغة الإنجليزية بالمرحلة الثانوية، من الطلاب إخراج دفاتر الكتابة من صندوق مخصص في بداية الحصة، كما يقصر استخدام أجهزة كروم بوك على نحو 10% من أيام الدراسة.

وقال أوفالي إنه لاحظ زيادة تفاعل الطلاب مع الدروس، موضحا أن ابتعادهم عن أجهزة الكمبيوتر يجعل من الصعب عليهم إخفاء مدى مشاركتهم الفعلية في التعلم.

وكانت أجهزة كروم بوك وغيرها من التقنيات قد انتشرت على نطاق واسع في المدارس خلال جائحة كوفيد-19، لكن العديد من المناطق التعليمية تعيد حاليا تقييم استخدامها، في ظل المخاوف من الإفراط في قضاء الوقت أمام الشاشات.

وفي فصول هايلاند، يكتب الطلاب بخط اليد، باستثناء الحالات التي تتطلب ترتيبات تعليمية خاصة. كما ابتكرت طرقا مختلفة لاختبار فهمهم للكتب، من بينها تكليفهم بإعداد عرض عملي للطهي يوضح مدى استيعابهم لرواية "قصة مدينتين".

وفي أحد الأمثلة، استخدم الطلاب بسكويت أسود وأبيض للتعبير عن العبارة الافتتاحية الشهيرة للرواية، التي تصف التناقض بين أفضل الأوقات وأسوأها.

وقالت هايلاند إنها تبحث عن أنشطة تجعل الطلاب يقدمون أعمالا مباشرة أمام المعلم، بحيث يتمكن من متابعة تفكيرهم الإبداعي في الوقت الفعلي.

الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة للمعلم
 

رغم مخاوف إساءة الاستخدام، لا يرفض جميع المعلمين الذكاء الاصطناعي، إذ يستفيد بعضهم من أدواته في إعداد المواد التعليمية وتكييف المحتوى مع مستويات الطلاب المختلفة.

ويستخدم مايكل زاجاري، معلم الدراسات الاجتماعية بالمرحلة الثانوية في إحدى ضواحي نيويورك، الذكاء الاصطناعي لتعديل المفردات المستخدمة في الوثائق التاريخية بما يتناسب مع مستويات القراءة المختلفة لدى الطلاب، فضلا عن اختصار المقالات لتسهيل تناولها داخل الفصل.

كما يشجع الطلاب على استخدام هذه الأدوات في بداية مشروعات البحث، ويرى أن تعلم كيفية صياغة الأوامر والتعليمات للذكاء الاصطناعي بصورة فعالة يمكن أن يساعدهم على تطوير مهارات التفكير النقدي.

ويؤكد زاجاري أن الذكاء الاصطناعي لن يختفي، ولذلك ينبغي للمدارس تعليم الطلاب المسؤولية في استخدامه، بالطريقة نفسها التي تعلموا بها الاستخدام المسؤول للإنترنت.

وبين محاولات الحد من الاعتماد على الإجابات الجاهزة والاستفادة من الأدوات الجديدة في إعداد الدروس، يتجه المعلمون إلى إعادة تعريف ما يعنيه التعلم في عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث لا يقتصر التقييم على صحة الإجابة أو سرعة إنجاز المهمة، بل يمتد إلى قدرة الطالب على التفكير والتفسير والإبداع وإظهار فهمه بنفسه.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة