تعتلي الدولة المصرية صدارة المشهد الدبلوماسي خلال أعمال القمة الروسية الأفريقية الثالثة بفضل الحضور الفاعل الذي يقوده فخامة الرئيس السيسي مع نظيره الروسي في العاصمة موسكو، لترسيخ مسار الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين الصديقين على قواعد راسخة من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة؛ وتكتسب هذه اللقاءات الرئاسية زخمًا سياسيًا واقتصاديًا كبيرًا يعكس قدرة القاهرة وموسكو على تنمية علاقاتهما الثنائية بوتيرة متسارعة ومستقرة وسط التقلبات العالمية المتلاحقة، وتتلاقى إرادة الزعيمين حول تطوير آليات العمل الثنائي في مختلف القطاعات الحيوية التي تخدم خطط النهضة الوطنية وتلبي تطلعات الشعبين نحو الرخاء والازدهار، ليصير التنسيق الرئاسي المباشر نموذجًا متوازنًا للتعاون الدولي المبني على تحقيق المنافع المتبادلة وتعميق الروابط الوثيقة في شتى الميادين التنموية والسياسية المعاصرة بصورة بناءة ومثمرة تواكب المتغيرات الإقليمية.
وتحظى مشروعات الاستخدامات السلمية للذرة بأولوية متقدمة في أجندة المباحثات الرئاسية بين فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي، باعتبار مشروع محطة الضبعة النووية لتوليد الكهرباء ذروة التعاون التنموي المشترك بين القاهرة وموسكو؛ وتتابع القيادة السياسية في البلدين خطوات التنفيذ الميداني للمشروع بدقة بالغة لضمان اكتمال كافة المراحل الإنشائية والفنية وفق الجداول الزمنية المقررة دون أي تباطؤ، مع التزام الجانب المصري بانتظام الترتيبات المالية المخصصة لهذا الصرح وتوفير جميع المقومات اللوجستية والهندسية اللازمة لإنجاحه، ويتوج هذا الجهد الثنائي المتواصل بالتحضير لفعاليات احتفالية كبرى تواكب استكمال مراحل الوحدات الإنتاجية الجديدة، ليعزز هذا الإنجاز العملاق قدرات الشبكة القومية للكهرباء ويدعم توجهات الدولة نحو تعظيم الاستفادة من مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة في خدمة الاقتصاد القومي ومشروعات العمران.
وتمتد الرؤية المستقبلية التي طرحها فخامة الرئيس السيسي مع نظيره الروسي لتشمل توسيع نطاق التعاون التكنولوجي والمعرفي المتقدم في القطاعات الذرية والبحثية خلال المراحل المقبلة، عبر دراسة إضافة وحدات توليد جديدة في موقع الضبعة وتطوير المفاعل البحثي القومي بالتنسيق بين المؤسسات العلمية العريقة في الدولتين؛ وتتناول المشاورات الرئاسية إمكانية الاستفادة من الخبرات الروسية المتطورة في تكنولوجيا المفاعلات النووية الصغيرة والمفاعلات العائمة وتوظيفها في مشروعات تحلية مياه البحر لتعزيز الموارد المائية المصرية، إلى جانب نقل المعرفة التقنية في مجالات الطباعة ثلاثية الأبعاد وتوطين الصناعات الدقيقة المتخصصة، فضلًا عن تنمية أوجه العمل الفني في استكشاف واستخراج اليورانيوم والمعادن النادرة لدعم قاعدة التصنيع الوطني الحديث وتلبية متطلبات التنمية الشاملة ومواكبة الطفرات الصناعية العالمية التي تشهدها التكنولوجيا المعاصرة.
وتتجه المباحثات الثنائية بين فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي نحو دفع الخطوات العملية الكفيلة ببدء التشغيل الفعلي للمنطقة الصناعية الروسية داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس قريبًا، وتبدي الحكومة المصرية استعدادًا كاملًا لتقديم كافة التسهيلات الإدارية والإجرائية للمستثمر الأجنبي وتذليل أية عقبات فنية عبر تكليف الجهات الوطنية المختصة بالتفاعل السريع مع متطلبات التنفيذ؛ ويحرص الجانبان على إيجاد قنوات تمويلية آمنة ومستقرة تضمن انطلاق المشروعات الإنتاجية في القطاعات التصنيعية ذات الأولوية المتبادلة، ليسهم هذا التجمع الاستثماري الكبير في نقل التكنولوجيا الحديثة إلى أراضي الكنانة وتأهيل الأيدي العاملة الماهرة وفتح أسواق تصديرية واسعة للمنتجات المشتركة في الأسواق الإقليمية والأفريقية والدولية بما يخدم الاقتصاد الوطني ويعظم عوائده التنموية ويرفع معدلات الإنتاج المحلي بصورة مطردة.
وتشهد العلاقات التجارية والاستثمارية بين القاهرة وموسكو طفرة نوعية ملحوظة بفضل التوجيهات المباشرة من فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي لتعظيم حجم التبادل التجاري الذي سجل مستويات قياسية غير مسبوقة بين الدولتين، ويعول البلدان على الدور المحوري للجنة الحكومية المشتركة التي تعقد اجتماعاتها الدورية في مصر لتنسيق السياسات التسويقية وتوسيع قوائم السلع المتبادلة وإزالة الحواجز الجمركية واللوجستية أمام حركة الصادرات والواردات؛ وتعمل هذه الآليات المؤسسية المكثفة على تحفيز مجتمعات الأعمال في الجانبين لإطلاق مشروعات تمويلية جديدة في القطاعات الإنتاجية والزراعية والخدمية، لتنعكس تلك الحركية الاقتصادية الإيجابية على زيادة معدلات النمو الوطني وتوفير فرص العمل للشباب وتعزيز القدرات التنافسية للمنتجات المصرية في مختلف الأسواق الإقليمية والعالمية بما يحقق طموحات الشعبين الصديقين.
وتنال مسألة تأمين سلاسل الإمداد الاستراتيجية عناية فائقة على طاولة الحوار بين فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي في ظل التحديات الاقتصادية الدولية التي تلقي بظلالها على حركة التجارة العابرة للحدود، ويولي الرئيسان اهتمامًا بالغًا بملف الأمن الغذائي واستقرار توريد الحبوب والسلع الأساسية لارتباطه المباشر بالأولويات الوطنية والمعيشية للدولة المصرية؛ وتسعى القاهرة وموسكو من خلال هذا التنسيق الوثيق إلى إرساء ترتيبات تعاقدية ولوجستية منتظمة تحمي الأسواق المحلية من تقلبات الأسعار العالمية واضطرابات خطوط الشحن البحري والتجاري، ليسهم هذا التضامن الثنائي الموثوق في تعزيز المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الغذائية الرئيسة وتلبية احتياجات المواطنين بصورة آمنة ومستقرة تحفظ التوازن السعري وتدعم منظومة الحماية الاجتماعية في المحافظات كافة على مدار العام دون أي نقص أو اضطراب تمويني.
وتتنوع ثمار التقارب الثنائي بقيادة فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي لتشمل قطاعات السياحة والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي باعتبارها روافد حيوية للتواصل الإنساني والتنموي بين الشعبين، ويسجل نشاط الوفود الزائرة نموًا متواصلًا في أعداد السائحين الذين يقصدون المدن الساحلية والأثرية المصرية بفضل تطور البنية التحتية الفندقية والخدمية وتوافر الأجواء الآمنة والجاذبة؛ وبالتوازي مع هذا الرواج السياحي المزدهر يتوسع العمل المشترك في تحديث المنظومة العلاجية وتبادل الخبرات الطبية والدوائية المتقدمة، إلى جانب تعزيز الشراكات الأكاديمية بين الجامعات والمراكز البحثية في الدولتين لإعداد كوادر علمية مؤهلة تواكب متطلبات العصر وتخدم خطط التحديث الشامل والارتقاء بجودة الخدمات الصحية والتعليمية المقدمة للمواطنين في ربوع الوطن وتعميق التبادل الثقافي والحضاري والمعرفي بين الأجيال لدى الجانبين بصورة إيجابية وفعالة.
وتأخذ القضايا العربية الراهنة ومساعي تهدئة الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط حيزًا واسعًا من المشاورات السياسية بين فخامة الرئيس السيسي ونظيره الروسي في قصر الكرملين، ويتوافق الزعيمان حول حتمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الحثيثة لخفض حدة التوترات المتصاعدة وتجنيب شعوب المنطقة ويلات الصراعات المسلحة واستعادة مقومات الأمن والاستقرار؛ ويحظى التحرك المصري المتوازن بتقدير دولي رفيع يدفع موسكو إلى تكثيف التشاور السياسي وتبادل الرؤى مع القاهرة إزاء مختلف الأزمات المحيطة باعتبار الدولة المصرية دعامة أساسية للسلام في المشرق العربي، لتواصل السياسة الخارجية الوطنية أداء رسالتها العريقة في تثبيت دعائم السلم الإقليمي وتغليب لغة الحوار العاقل والحلول السلمية العادلة التي تحفظ مقدرات الأوطان وتصون حاضر الأجيال ومستقبلها من تداعيات الحروب والنزاعات الممتدة في محيطها الجغرافي الحيوي.
وتؤكد القيادة السياسية خلال قمة موسكو التي تجمع فخامة الرئيس السيسي بنظيره الروسي ثوابت الأمن القومي الوطني في محيطه الإقليمي والأفريقي، وفي مقدمتها ملف الحقوق المائية الذي تعده القاهرة قضية وجودية لا تقبل التفريط أو المساومة مع الرفض القاطع لأي ممارسات أو إجراءات أحادية في حوض النيل الشرقي؛ ويتكامل هذا الموقف الحاسم مع الرؤية المصرية الداعية إلى صون السلم والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي عبر الالتزام الكامل باحترام سيادة الدول الشقيقة والحفاظ على وحدة وسلامة أراضيها ومؤسساتها الشرعية، لتعكس هذه المواقف المبدئية ثبات الإرادة السيادية في الدفاع عن مواردها الحيوية المشروعة ومساندة جهود البناء والتنمية الشاملة في ربوع القارة السمراء ودول الجوار الجغرافي بما يرسخ التعايش السلمي والتعاون المشترك ويحمي مصالح الشعوب الأفريقية.
وتتضافر المشاركة الفاعلة لفخامة الرئيس السيسي في الجلسات العامة للقمة الروسية الأفريقية ومباحثاته مع نظيره الروسي مع التنسيق المتبادل داخل التجمعات الاقتصادية الكبرى لتعظيم العوائد التنموية للقارة السمراء، ويعمل الجانبان على استثمار أطر التعاون المتعددة الأطراف لإطلاق مشروعات قارية جديدة في البنية التحتية والطاقة والتجارة تخدم مصالح مصر والأقطار الشقيقة في أفريقيا؛ وبالتزامن مع هذا الحراك التنموي تطرح القاهرة نهجها الدبلوماسي المتوازن الداعم لكافة المبادرات والمساعي الرامية إلى تسوية الأزمة الأوكرانية سياسيًا عبر المفاوضات السلمية والحوار البناء، للحد من التداعيات المعيشية والأمنية على الساحة الدولية وتهيئة مناخ عالمي هادئ ومستقر يدعم مسارات التنمية والرخاء المشترك لجميع الشعوب والأمم المحبة للسلام في مختلف أنحاء المعمورة بعيدًا عن الاستقطاب والتجاذبات الحادة التي ترهق الاقتصاد العالمي.