اتزان إستراتيجي ومرونة في التحرك الخارجي وفق ثوابت ومحددات عمل راسخة تحقق المصالح المصرية وتدعم الاستقرار الإقليمي والدولي، فمصر تنفتح على صناعة علاقات وشراكات متنامية مع مختلف دول العالم، وتتحرك بشكل مستمر لدعم علاقاتها الخارجية بكافة الاتجاهات والدوائر الخارجية، وفي ظل ما تشهده الفترة الراهنة من تصاعد التوترات الإقليمية تحافظ مصر علي اتزانها الخارجي، وتكثف تحركاتها الخارجية عبر اتجاهين الأول يتعلق بالدور الإقليمي تجاه وقف التصعيد في المنطقة، أما الاتجاه الثاني فيعمل على تعزيز الشراكات والتعاون الاقتصادي مع الشركاء الإقليميين والدوليين لدعم الاستثمارات الوافدة إلى الداخل المصري وبناء تعاون اقتصادي خارجي يخفف من التبعات الاقتصادية للأزمات الإقليمية على الداخل المصري، وهنا تبرز فكرة التعاون "جنوب - جنوب" والتي تعني التعاون ما بين الدول النامية، وهي فكرة تتبناها مصر منذ وقت مبكر.
يتميز التعاون بين الدول النامية في الوقت الراهن بالقدرة على العمل دون ضغوط الصراعات الإقليمية والدولية إلى حد ما، خاصة داخل المحيط الإفريقي والآسيوي، ولأن كافة الدول النامية تعاني من تبعات الصراعات الخارجية على اقتصادياتها المحلية، فإن إحداث تكامل اقتصادي وتعاون للاستفادة من القدرات والإمكانيات المتاحة لدول الجنوب سيساعد بشكل أساسي في تخفيف حدة الأزمات الاقتصادية الدولية والإقليمية على شعوب الدول النامية، والمتابع لتحركات الدبلوماسية الرئاسية المصرية يجد اهتماماً رئاسياً كبيراً بدعم فكرة التعاون "جنوب - جنوب"، والتي تحدث عنها السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ وقت مبكر، وبالتحديد منذ رئاسة مصر للاتحاد الإفريقي عام 2019 كما ظهر نفس الحرص المصري في تنمية الرؤية ذاتها حينما استضافت مصر قمة مجموعة الدول الثماني الإسلامية للتعاون الاقتصادي عام 2024، ما يظهر تبنياً مصرياً لهذه الرؤية حتى قبل تصاعد تلك الأزمات الاقتصادية الإقليمية والدولية الراهنة، ولهذا فإن ما نشهده من حراك مصري كبير لتعزيز هذه الرؤية على الصعيد الإفريقي والآسيوي وحتى العربي، يعبر عن رؤية استشرافية مصرية تؤمن بكون التكامل ما بين الدول النامية والصاعدة هو طوق النجاة من التحديات الاقتصادية الدولية الراهنة، لهذا تمثل التحركات المصرية الخارجية خلال الفترة الراهنة تطبيقاً عملياً لتلك الرؤية التي أسست لها مصر، والمتعلقة بتعزيز وتطوير التعاون مع الدول النامية والصاعدة، سواء على صعيد الدوائر العربية والأفريقية وأيضاً الآسيوية، ومؤخراً يلاحظ النشاط الكبير للدبلوماسية الرئاسية في هذا الإطار خاصة على صعيد الدائرة الإفريقية والآسيوية، حيث يعد استضافة مصر لثلاث قمم إفريقية بالعلمين الجديدة بمشاركة رئاسية شملت قمم ثنائية على هامش تلك الفاعليات، تعبيراً وترجمة حقيقية للرؤية المصرية في هذا الإطار، بل تمثل مشاركة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة الروسية الإفريقية مؤخرا تأكيداً على الاهتمام المصري بهذا التوجه، ليصبح بهذا قد شارك السيد الرئيس في أربع فاعليات إفريقية خلال شهرين، بل خلال الفترة نفسها أيضاً كانت هناك ست محطات بالغة الأهمية لدعم العلاقات المصرية مع الشركاء في الجانب الآسيوي، بداية من زيارة الرئيس الصيني لمصر، مروراً بزيارة السيد الرئيس لخمس دول آسيوية شملت الهند وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وماليزيا وأيضاً روسيا، كما شارك السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي في الفترة ذاتها في قمة مجموعة "البريكس" والتي تشكل نموذجاً دولياً فريداً للتعاون بين دول الجنوب، بل إن انضمام مصر لهذا التجمع يعد ترجمة للإيمان المصري بالتعاون "جنوب - جنوب"
تستفيد مصر من اتزانها الاستراتيجي وحيادها الإيجابي وأيضاً استقرارها الداخلي للتحرك خارجياً بما يحقق مصالحها الاقتصادية والتنموية، وهو الأمر الذي لم يكن ليتحقق دون جهد وعمل مصري كبير حافظت خلاله القيادة السياسية على الاتزان الخارجي وتماسك الجبهة الداخلية، بالإضافة لما تم إنجازه من معجزة تنموية ولوجستية مصرية خلال فترة قصيرة، ما يجعلنا اليوم أمام المزيد من الفرص والشراكات التنموية مع مختلف دول العالم، سواء كانت نامية أو صاعدة أو متقدمة، بعد أن بات التنافس على صناعة الشراكات مع مصر يضمن استقرار الاستثمارات وفتح المزيد من الفرص، ولاكن الأهم اننا أمام فرص للاستفادة القصوي من تنوع واتزان العلاقات المصرية الخارجية ما يتيح للقاهرة تفعيل استراتيجيات عمل وشراكات اقتصادية وتنموية متنوعة تحقق المكاسب المشتركة بين دول الجنوب.