مع بداية كل عام دراسي، تبدأ الأمهات رحلة الاستعداد المعتادة: ملابس جديدة، أدوات مدرسية، كتب وكراسات، وتنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ. نراجع كل التفاصيل الصغيرة حتى لا ينقص أبناءنا شيء في أول يوم.
لكن وسط كل هذه الاستعدادات، هناك شيء مهم لا يوضع في الحقيبة ولا نشتريه من المكتبة، لكنه يرافق الطفل إلى المدرسة كل يوم.. مشاعره.
قد يحمل طفل حقيبته وهو سعيد ومتحمس للعام الجديد، بينما يحمل طفل آخر الحقيبة نفسها، لكنه يحمل معها خوفًا من الدراسة، أو قلقًا من مدرس، أو تجربة سابقة مع التنمر، أو خوفًا من ألا يكون في مستوى توقعات أسرته.
وهنا علينا أن نتوقف قليلًا.
فالطفل لا يدخل المدرسة بعقله فقط، وإنما يدخلها بكل ما يشعر به.
والطفل الذي يسمع باستمرار أنه يجب أن يكون الأول، وأن الخطأ غير مقبول، وأن زميله أفضل منه، قد لا يخبرنا بأنه يشعر بالضغط. ربما يظهر ذلك في صورة عصبية، أو رفض للذهاب إلى المدرسة، أو بكاء متكرر، أو فقدان الرغبة في المذاكرة.
وأحيانًا قد يشكو من ألم في بطنه أو رأسه قبل الذهاب إلى المدرسة، فنعتقد أنه يتهرب من الدراسة، بينما يكون جسده هو الذي يعبر عن قلق لم يعرف كيف يتحدث عنه.
وهنا يأتي دور الأسرة.
ليس المطلوب أن نحمي أبناءنا من كل موقف صعب، فهذا ببساطة غير ممكن. الطفل سيختلف مع زميل، وقد يفشل في امتحان، وربما يتعرض للنقد أو يمر بموقف يزعجه.
المهم أن يعرف أن لديه مكانًا آمنًا يعود إليه.
أن يعرف أنه يستطيع أن يقول: "أنا خايف"، دون أن نضحك عليه.
وأن يقول: "أنا فشلت"، دون أن نذكره بكل أخطائه السابقة.
وأن يحكي عن مشكلة حدثت معه، دون أن نبدأ فورًا باللوم: "وأنت عملت إيه؟ أكيد أنت السبب."
أحيانًا يكون أهم ما يحتاجه الطفل هو أن يسمعه أحد بهدوء.
ولذلك، بدلًا من أن نسأله كل يوم: "جبت كام؟"، ربما نحتاج إلى أسئلة أخرى.
"إيه أحلى حاجة حصلت النهارده؟"
"في حاجة ضايقتك؟"
"حسيت إنك محتاج مساعدة في حاجة؟"
"مين أكتر شخص ارتحت له النهارده؟"
هذه الأسئلة تفتح أبوابًا قد لا تفتحها الأسئلة المباشرة عن الدرجات.
كما أننا بحاجة إلى أن ننتبه إلى الطريقة التي نتحدث بها عن النجاح.
من حقنا أن نطلب من أبنائنا الاجتهاد، وأن نشجعهم على التفوق، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نقول للطفل: "اجتهد وأنا واثقة فيك"، وبين أن يشعر أن قيمته في نظر أسرته مرتبطة بالدرجة التي سيحصل عليها.
الطفل يحتاج أن يعرف أن النجاح شيء نسعى إليه، وليس شرطًا لكي يستحق الحب والتقدير.
ومع بداية الدراسة، لا نحتاج فقط إلى تجهيز جدول للمذاكرة، وإنما نحتاج أيضًا إلى مساحة يومية للحديث.
دقائق قليلة يعرف فيها الطفل أن والدته أو والده متاحان لسماعه، بعيدًا عن الهاتف، وبعيدًا عن الأحكام السريعة.
هذه الدقائق قد تكشف مشكلة في بدايتها، قبل أن تتحول إلى خوف أو عزلة أو رفض للمدرسة.
وأعتقد أن واحدة من أهم الرسائل التي يمكن أن نقدمها لأبنائنا هذا العام هي: "أنا بجانبك، حتى عندما لا تسير الأمور كما تريد."
هذه الجملة لا تفسد الطفل، ولا تجعله أقل طموحًا كما يعتقد البعض، بل تمنحه الأمان الذي يساعده على المحاولة من جديد.
فالطفل الذي يخاف من الخطأ قد يتجنب المحاولة، أما الطفل الذي يعرف أن الخطأ يمكن إصلاحه، فيتعلم ويجرب ويكتسب خبرة.
وفي النهاية، نحن لا نرسل أبناءنا إلى المدرسة بالكتب والأقلام فقط.
نرسل معهم ما زرعناه فيهم داخل البيت.
نرسل معهم طريقة حديثنا عن أنفسهم، ونظرتنا إلى أخطائهم، ومدى شعورهم بالأمان، وقدرتهم على طلب المساعدة عندما يحتاجون إليها.
لذلك، ونحن نراجع محتويات حقيبة المدرسة، ربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالًا آخر:
ماذا وضعنا في حقيبة مشاعر أبنائنا هذا الصباح؟
أتمنى أن يكون فيها قدر كبير من الثقة، وقليل من الخوف، ومساحة للخطأ، وكثير من الحب.
لأن الطفل قد ينسى بعض ما درسه في المدرسة، لكنه غالبًا لن ينسى كيف كان يشعر وهو يعود إلى البيت كل يوم.
إيمان ممتاز
من حقيبة المدرسة إلى حقيبة المشاعر.. ماذا يحمل أطفالنا معهم؟
السبت، 03 أكتوبر 2026 10:05 ص