كل يوم تدخل كتب جديدة إلى المكتبات، وتظهر أعمال فنية جديدة في المعارض، وتدفع دور النشر بعشرات العناوين، وتبدأ رحلة البحث عن القارئ، ثم يتحرك الزمن بطريقته الخاصة، فتتراجع عناوين ملأت الواجهات، وتختفي أسماء شغلت الناس فترة، بينما تبقى كتب أخرى مفتوحة أمام أجيال متتابعة، وتعود نصوص إلى الحياة من خلال الترجمة، وتنتقل روايات إلى السينما والمسرح، وتظل قطع فنية وأثرية قادرة على إثارة الدهشة بعد مئات وآلاف السنين.
وفي الأيام الأولى من أكتوبر 2026 عاد هذا السؤال إلى الواجهة من أكثر من باب، بعدما نشرت مجلة "The Bookseller" البريطانية في 2 أكتوبر تحليلًا عن سوق الكتب المصورة للأطفال وأشارت إلى أن هذا القطاع يعتمد بدرجة لافتة على الكتب الموجودة منذ سنوات، وفي اليوم نفسه جاءت قائمة جديدة للكتب العربية الصادرة بالإنجليزية خلال أكتوبر، لتكشف وجهًا آخر للبقاء، بعدما تضمنت وصول دراسة غسان كنفاني عن أدب المقاومة الفلسطينية إلى الإنجليزية للمرة الأولى، وصدور ترجمة جديدة لكتاب مي زيادة "سوانح فتاة.
هذه الوقائع تطرح أسئلة منها: من يقرر ما يبقى؟ كيف يعبر كتاب زمنه الأول ويواصل رحلته بعد رحيل صاحبه؟ وكيف يجد نص مكتوب بالعربية قبل عقود قارئًا جديدًا باللغة الإنجليزية في 2026؟ وكيف ينجح عمل ثقافي في الدخول إلى ذاكرة الناس بينما تنتهي رحلة أعمال أخرى مع نهاية موسم صدورها؟
في صناعة النشر تستطيع المبيعات الأولى أن تقيس قوة الحضور في لحظة بعينها، بينما يكشف الزمن عن شيء أعمق، هو قدرة العمل على إنتاج معنى كلما تبدل قارئه، ولهذا واصلت أعمال كثيرة رحلتها بعد تغير المجتمعات التي ظهرت فيها، مثلا تحمل "ألف ليلة وليلة" حكايات جاءت من أزمنة وثقافات متعددة، ثم انتقلت إلى لغات كثيرة وظلت قادرة على إنتاج قراءات جديدة، وقد تحركت "كليلة ودمنة" بين لغات وثقافات قبل أن يصبح واحدًا من النصوص الكبرى في التراث العربي، وعبرت أعمال نجيب محفوظ حدود زمنها ومكانها، لأن قارئ اليوم يستطيع أن يرى فيها القاهرة التي كتب عنها محفوظ، ويجد داخلها كذلك أسئلة تتعلق بالأسرة والسلطة والطموح والخوف والتحولات الاجتماعية.
العمل الذي يعيش طويلًا يملك عادة أكثر من باب للدخول إليه، قارئ يدخل من الحكاية، وآخر من اللغة، وباحث من التاريخ، وناقد من البناء الفني، وجيل جديد يقرأ الشخصيات في ضوء أسئلته الخاصة.
من جانب آخر يملك القارئ دورًا حاسمًا في هذه الرحلة، لأن انتقال الكتاب من يد إلى أخرى يمنحه حياة تتجاوز علاقة الناشر بالموسم، وتظهر هذه الفكرة بصورة واضحة في كتب الأطفال، حيث تتحول بعض الحكايات إلى جزء من الذاكرة الشخصية، طفل يقرأ كتابًا في سنواته الأولى، ثم يعود بعد عشرين أو ثلاثين عامًا ليشتريه لطفله، فينتقل الكتاب بين جيلين محملًا بقصته الأصلية وبذاكرة القارئ الأول في الوقت نفسه.
وتعرف الثقافة العربية هذه الظاهرة من خلال كتب وحكايات شكلت ذاكرة أجيال، ومن بينها أعمال كامل كيلاني التي ارتبطت بتاريخ طويل من أدب الأطفال العربي، وانتقلت بين طبعات متتابعة وأجيال مختلفة من القراء.
كما يمتلك الناشر قدرة كبيرة على إطالة عمر العمل، فإعادة الطبع تعني استمرار وجوده، وتغيير الغلاف يستطيع أن يقدمه إلى جيل جديد، وإضافة مقدمة أو دراسة تفتح بابًا مختلفًا لقراءته، وإصدار طبعة جديدة يعيد العنوان إلى واجهة المكتبة بعد سنوات من ظهوره الأول.
ويحتاج الكتاب هنا إلى مؤسسة تؤمن باستمرار رحلته. وقد يمتلك النص قيمة كبيرة، ثم يحتاج إلى طبعة جديدة أو توزيع أفضل أو تقديم مختلف حتى يصل إلى قارئ يعيش في زمن جديد.
على العموم فإن ما يملك القدرة على البقاء هو الذي يملك القدرة على صناعة المعنى، وذلك ينطبق على الكتابة والآثار وحتى على الإنسان نفسه.