داليا مجدى عبد الغنى

تمكين الزوجة في مصر القديمة

السبت، 03 أكتوبر 2026 02:54 ص


ربما يظن البعض أن الزوجة بدأت تحصل على حقوقها في العصر الحديث، وأنها كانت متجردة من جميع حقوقها في العصور القديمة، إلا أن مَنْ يقرأ في التاريخ المصري القديم سيكتشف عكس ذلك على الإطلاق، حيث إن الزوجة كانت تتمتع في الحضارة المصرية القديمة بمكانة رفيعة، وأن المجتمع كان يضعها في القالب الذي تستحقه، حيث إن المرأة كانت آنذاك تُمثل دلاله خاصة كبيرة على تقدم المجتمع وتطوره والارتقاء به، ويشهد على ذلك المخطوطات والآثار المصرية القديمة التي أكدت أن المرأة كانت تحظى  ببالغ الاهتمام، وكانت تحصل على قدر كبير من الحقوق سواء الاجتماعية أو الاقتصادية.

وكان الزوج يحترم مكانة زوجته، بل ويعتبرها شريكة كفاح في رحلة الحياة الزوجية، حيث كانت تشاركه في أعمال الصيد، وفي الحقل، وفي ورش الصناعات، والحرف المختلفة كالغزل والنسيج، والتجارة والتعليم والزراعة بل إن القانون كان يقدر مكانة المرأة ولا يسمح بإهانتها، حيث حُوكم أحد الأزواج بسبب سبه لزوجته بالجلد مائة جلدة، وحرمانه من نصيبه في المال الذي كسبه بالاشتراك معها إذا عاد إلى سبها مرة أخرى.
وبالمناسبة قطعًا مَنْ أصدر هذا الحكم ووضع هذا القانون هو رجل، وهذا يدل على أن الرجل منذ العهود القديمة  يُجلّ المرأة ويحترمها ويُبجلها ولا يسمح بإهانتها أو النيل منها، بدليل أنه يُعاقب الزوج الذي يتعامل مع زوجته بعنف، أيًا ما كان شكل هذا العنف بدنيًا أو ماديًا.
ففي مصر القديمة كان هناك حق المساواة بين الرجل والمرأة، وكانت الزوجة تُرسم على المقبرة حتى الأسرتين الثالثة والرابعة بحجم صورة زوجها كدليل على المساواة في المكانة والحقوق والواجبات، بل إن هناك تمثال "باهجم" في "معبد الكرنك" وفيه الزوجة تتقدم زوجها.
ومن شدة تقديس الزوج لزوجته عند قدماء المصريين، كان هناك مكان يُسمى "وادي الملكات"، وهو المكان الذي دُفِنت فيه زوجات الفراعنة في الأزمنة القديمة، وكان يُسمى"تا – ست – نفرو"، أي أبناء الفرعون، وكان يضم مجموعة من المقابر لملكات وأميرات مصر القديمة وزوجات ملوك مصر الفرعونية، وفي مقدمته المقبرة المخصصة للملكة "نفرتاري" زوجة الملك "رمسيس الثاني وهي أحب زوجاته إلى قلبه، وهذا يدل على المكانة الكبيرة التي احتلتها الزوجة في هذا العصر.
علاوة على معبد "نفرتاري" المعروف بمعبد "أبو سمبل الصغير"، والذي أقامه الملك "رمسيس الثاني" تكريمًأ لزوجته الملكة "نفرتاري".
ومن أعظم المواقف في مصر القديمة، أنهم استحدثوا منصبًا غير مسبوق، هو لقب "الزوجة الإلهة"، لتكريم نساء ملوكهم، لدرجة أنهم أنشأوا جناحًا خاصًا في معابدهم لتبقى زوجات الملوك على مقربة من أزواجهن في طقوس العبادة وإدارة شؤون البلاد.
فلقد كانت للمرأة المصرية مكانة رفيعة في المجتمع المصري القديم باعتبارها الشريك الوحيد للرجل في حياته الدينية والدنيوية، طبقًا لنظرية الخلق ونشأة الكون الموجودة في المبادئ الدينية الفرعونية، من حيث المساواة القانونية الكاملة وارتباط الرجل بالمرأة لأول مرة بالرباط المقدس من خلال عقود الزواج الأبدية.
وكان الزوج يسمح لزوجته بتحقيق طموحاتها وأحلامها في تقلد مناصب الحكم مثل الملكة "حتشبسوت، ونفرتيتي، وكليوباترا"، وأيضًا مهنة الطلب مثل "بيسيشت" مديرة الأطباء، ومنصب القضاء كالقاضية "نبت". فلا يمكن للتاريخ أن ينسى دور "يُوليوس قيصر" في اعتلاء "كليوباترا" عرش مصر، حيث إنه انحاز إلى جانبها ودخل في حرب الإسكندرية ضد أنصار "بطلميوس الثالث عشر"، والتي انتهت بمقتل الأخير غرقًا عام 47 ق.م.
وأيضًا منح الملك "إخناتون" لزوجته الملكة "نفرتيتي" مكانة سياسية كبيرة وغير مسبوقة، جعلتها شريكة فعلية له في الحكم والسلطة، فلقد دمج ختمه الملكي مع ختمها الملكي كدليل على المساواة التامة بينهما في السلطة، ومنحها ألقابا خاصة مثل "سيدة مصر العليا والسفلى"، و"الزوجة الملكية العظمى"، و"سيدة المنطقتين"، كما كانت تُشاركه في أداء الطقوس الدينية وتقديم القرابين لإله الشمس "آتون" باعتبارهما معًا الوسيط بين الإله والشعب، كما منحها حق استقبال الوفود الدبلوماسية الأجنبية، وإصدار المراسم الملكية نيابةً عنه.
عووملاوة على أن الأزواج المصريين القدماء قاموا بعقد اتفاقات قبل الزواج لصالح الزوجة، فإذا صدر الطلاق من الرجل، كان يخسر الحق في المطالبة بهداياه، بل ويضطر إلى دفع مبلغ من المال كنفقة لمطلقته حتى تتزوج مرة أخرى، أو تطلب إيقاف دفع النفقة، كما أن حضانة الأطفال كانت من حق الزوجة، وكذلك ملكية منزل الزوجية، وكان يسمح لها بإدارة أملاكها وممتلكاتها ويُلقبها بـ"سيدة المنزل" تقديرًا لدورها العظيم في رعاية الأسرة والإشراف عليها وتربية الأبناء، وتوجيه شؤون المنزل.
وكل هذا يُؤكد مدى تقديس الزوج لمكانة الزوجة منذ العصور القديمة وإيمانه بدورها في الأسرة والمجتمع، ودعمه لها وسعيه الدؤوب لتمكينها وإعلاء شأنها، لتحقيق مبدأ المساواة والذي رسخه الشرع والقانون.
بقلـــم
د./




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة