حازم حسين

ذبائح بنيامين وسكاكين آيزنكوت

الخميس، 29 أكتوبر 2026 02:00 م


للإخوان فرع فى إسرائيل؛ وإن أنكروا الصلة على الناحيتين. إنها المجموعة التى تركت سفّاحى غزة على بُعد شارعين، واحتشدت للتظاهر أمام السفارة المصرية فى تل أبيب.

وسبق أن شارك جناح منها فى الحكومة، وتعاون مع نتنياهو كثيرا من تحت الطاولة، ويُمنّى النفس بأن يكون صانع الملوك فى الانتخابات الأخيرة.
الجماعة فى نسختها المتصهينة غير ما لدينا تماما. يعرض منصور عباس خدماته رغم الرفض المتكرر، ويزحفه على بطنه تحت سقف الدولة العبرية.
ويعرف أيضا أن الديمقراطية تبدأ من الصندوق، وليست تنتهى به، كما حاول أشباهه فى مصر فرضه علينا بعد 2011، ورفعوا السلاح لاحقا فى وجوه الناخبين.

غباء الأُصوليين عموما بلا حدود، ولدى الجماعات الإسلامية يتضاعف عن سواها. حماس أهدت نتنياهو تفاحة العمر، ومنحته الذريعة وغطاء التوحش.
ونظراؤها وراء الخط الأخضر يُصلّبون سرديته اليمينية المتطرفة، ويقدمون لتيارات القومية اليهودية ما تستخدمه فى تعزيز المخاوف، وسوق الشارع أمامها بعصا الهوية والهلع.

ضجّت مواقع التواصل بالاحتفالات ليل الثلاثاء، بدعوى أن نتنياهو هُزِم هزيمة منكرة، وانتهى إرثه السياسى جزاء ما اقترفه من جرائم الإبادة فى غزة.
وكأنَّ الناخبين أتوا من خيام خان يونس ورفح مثلا، وليسوا من المستوطنات والمدن المغصوبة ومعسكرات الجيش الغاصب!
وأخطر ما اشتملت عليه الرقصة المبكرة، الانتشاء بتحقيق القائمتين العربيتين نتيجة غير مسبوقة، تراوحت بحسب العيّنة ثم مؤشرات الفرز المتتابعة بين خمسة عشر وتسعة عشر مقعدا.

لن تتّضح الصورة الكاملة قبل يومٍ إضافى، ولا جزمَ إلَّا مع النتائج النهائية بحلول الأربعاء المقبل.
غير أنَّ قوة الحشد لدى البيئة الفلسطينية "مزدوجة الجنسية" قد ترتدّ بآثار عكسية، من دون أن تُغير التوازنات القائمة، أو تدفع المشهد للانحراف شبرا عمّا خطّه نتنياهو بأصابع مغموسة فى الدم.

أن يُحقِّق العربُ نسبة 15% فذاك ناقوس خطر يدقّ لدى الصهاينة، لا سيما القوميين والحريديين ومن يتشدَّدون بشأن الصبغة الدينية، وتعريف الدولة بـ"الجين اليهودى" فحسب.
هاجس الديموغرافيا حاضر أصلا؛ إنما النتائج تحاول ضوء مصابيحه لديهم من الأصفر للأحمر، ما قد يتسبب فى مضاعفة الضغوط على أقليّةٍ مأزومةٍ بالفعل، وإعادة هندسة البيئة السياسية والقانونية لتحييدهم أكثر، وسَلبهم مزيدًا من الفرص والحقوق.
وإلى ذلك؛ فالربح مِمّا لا قيمة حقيقية له، إذ لا سبيل إلى صَرفه داخل الكنيست، ولا على صعيد تركيبة الحُكم المُقبلة.
يرفضون نتنياهو وائتلافه بالطبع، وترفضهم المُعارضة بأغلب مُكوّناتها.
فكأنها أخذت من التضخُّم بطء الحركة، وأحدثت جَلَبَةً لفتت إليها الأنظار، مع إيقاظ المفترسات كلها دفعةً واحدةً، بينما تعجز عن مصادقة الثعالب أو الإفلات من الضباع!

اتّفق أبرز رموز المُعارضة على شيئين: إسقاط زعيم الليكود، واستبعاد قوائم الفلسطينيين.
وبصيغة أدقّ؛ فقد تردد على ألسنة لابيد وبينيت وجادى آيزنكوت؛ أنهم سيُشكّلون حكومة صهيونية من تحالف "مَن يخدمون بالجيش"؛ أى لا أحزاب عربية أو حريدية.
والخيار بين مُرّين: مَنح شبكة أمان لحكومة أقليّة من المُعارضة، بلا أى حقوق عليها أو التزامات منها، أو الانتظار لحِين تنضج حيل "بيبى" الماكر، ومعروف أنه لا يملّ ولا تنفد لديه الألاعيب.

والأخير؛ إمّا أن ينجح فى هندسة ائتلاف مع اتّضاح بقيّة النتائج، أو يُرتّب حكومة وحدة وطنية على شروطه الخاصة؛ وإلا فالذهاب إلى الانتخابات مُجدّدًا.
شهدت إسرائيل بين ربيع 2019 وخريف 2022 خمسة استحقاقات، بينهما حكومتان مُدّة كل واحدة سنة؛ فيما كانت مُهلة الحُكم تحت لافتة تسيير الأعمال قرابة السنتين.
تلك الفترة، كانت فيها حكومة (بينيت/ لابيد) وقد حُلّ الكنيست بعد سنةٍ تقريبا.
وهما مكوّن أصيل فى تحالف المُعارضة اليوم، وتناقضاتهما مع حلفاء اليوم، أضعاف ما كان بينهما أمس، وأسقطت حكومتهما السابقة فى أجواء أكثر استقرارًا وطبيعيَةً من الآن.
نسبة المُشاركة فى استحقاق الثلاثاء اقتربت من 80%، لتكون الأعلى منذ نحو ثلاثة عقود. هذا مِمّا يُضاعِف أهمية الاستحقاق، ويفرض التوقُّف طويلاً أمام نتائجه، لا أخذها على الوجه الظاهر البسيط.
الاستقطاب زاعق، والجنون يقود الجميع. أقصى ما توافر من حشدٍ ردّه خطوة أو خطوتين للوراء، ولم يُقدّم سواه إلى الأمام تقديمًا صريحًا.
وفيما خرجت عيّنات ما بعد الاقتراع/ استطلاعات اللجان، تُؤكّد هزيمته وربح المُعارضة، انعكست الوقائع مع فتح الصناديق وفرزها. ما يعنى أن بعض الناخبين يصطفون معه، ويخجلون من التصريح!

الشارع شديد الوقاحة والتطرف والرقص على الجثث، يمينىّ أكثر مِمّا يُظهره علنًا. كل ما نراه أقل مِمّا فى الصدور، وما يُطوَى مع الورق، وربما لا يُترجَم عمليًّا من أصحابه إلا بالبندقية فى ميادين القتال!
وبعيدًا من التمنّى ورغائبية التفكير العربى؛ فنتنياهو لم يُهزَم حقيقة، ولا انتصر مُنافسوه. ربما تراجعت حصّة الائتلاف قليلاً، ومقاعد حزبه أكثر من القليل؛ غير أنه يظل رقمًا صعبًا، فى لحظةٍ ما كان طبيعيًّا أن يبقى فيها خارج السجن!
أقرب مثالٍ صالح للاستدلال، ما كان بعد هزيمة الاحتلال فى أكتوبر 1973. لم يُعاقَب اليسار على إخفاقه فحسب؛ إنما تغيّر وجه الدولة كاملاً، ورُسِّمَت ملامح مرحلة ما تزال مستمرة للآن.

نتنياهو نجح فى صبغ البيئة العبرية باللون الذى أراد، ويُمكن بلا مُبالغة أن نتحدث عن إسرائيل ما قبله وما بعده، والمسافة بينهما واسعة للغاية؛ حتى أن ألدّ أعدائه لن يحيدوا قيد أُنمُلة عن استراتيجيته الحالية.
بقدر من التقريب؛ فقد نجح فى تحقيق حلمه فى أن يكون "آخر ملوك اليهود"؛ وإن لم يُتوَّج بشخصه.
وحتى إن فاز الآن؛ فسيخسر ويرحل لاحقًا، وقد تُعجّل الأقدار ذلك؛ إنما سيقى ظلّه مُهيمنًا على الشارع والحُكم لعقود طويلة مُقبلة.
طوال العقدين الأخيرين، لم تتشكّل حكومة فى أقل من ستة أسابيع، وكان الاستقطاب أقل أحيانًا، والفروق أوسع.
لدى السفّاح العجوز شهران على الأقل، قد يمتدّان شهرًا إضافيا حال إخفاق التكليف الأول، ثم إلى تسيير الأعمال وإعادة الانتخابات فى غضون ثلاثة أشهر.
والغالب على الاحتمالات؛ إمّا أن يقود الحكومة الجديدة، أو يبقى بائتلافه القديم إلى ربيع العام المٌقبل.
وفى تلك المُهلة سيُجدّد حرب إيران، ويعصف بالحزب فى لبنان، ويُثبّت مكاسبه فى الضفة وغزّة. ليُرمّم صورته، وتخسر مُعارضته بعض أوراقها؛ إذ تُؤسِّس خطابها على ضرورة الاستبدال، بأكثر من صلاحية البديل!

لا أحد أكثر بؤسا من الفرحين بآيزنكوت، شماتة فى نتنياهو أو لأى سبب آخر. الأخير نازىّ، والأول جنرال وصاحب عقيدة الضاحية.
ولا أرى الصخب الساذج إلا على صورة الذبيحة المبتهجة باختيار الجزّار؛ فكلّ سكاكين إسرائيل تحترف الذبح، وكل الذبائح سيان لدى المرشحين والناخبين.
لا تُشكّل الأرقام فارقًا كبيرًا، ولا الألوان والوجوه بالمناسبة. الخلافات أكثر ضآلة ممّا يتوهّم الرومانسيون، والتوافقات أكبر من كل ما يمرّ على خاطر المُتشائمين.
بعض التفاصيل الداخلية، والتنازع على المسؤولية عن السابع من أكتوبر، ومساعى التحقيق فى إخفاقاته. جدلٌ بشأن إدارة الحرب، وترتيب لأولويات الإجهاز على الخصوم.

أمّا النزعة الانتقامية فكلّهم مُتّحدون فيها، والاستباق والردع واقتطاع أحزمة عازلة من الجوار. تتحوّل إسرائيل ببطء فى كل الأوقات، وتتسارع تحوّلاتها فى أزمنة الأزمات.
تكاتف السنوار مع نتنياهو لتسريع الوتيرة، واختزال عدّة عقود من مسيرتها الصاعدة إلى ذروة التوحّش؛ وقبل أن يستعد المحيط لذلك، أو يُرتّب أوراقه وبدائله، ويُصفّى صراعاته الفرعية.

فكأن المُمانَعة اتّحدت مع الصهيونية على المنطقة فى أشد حالاتها ضعفًا، وأكثر أحوالهما شراسة واندفاعًا.
تعلو رمزيّة نتنياهو على ذاته الآن. كما صار قاسم سليمانى فى إيران، والسنوار لدى حماس، ومثلما يفعل اليمين المتطرف بالسياسة حول العالم.
إنه قطار الجنون الذى لن تُوقفه الصناديق؛ فإمّا تُهدّئه أو تُسرّعه، لكنه ماضٍ إلى غايته فى كل الأحوال!




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة