بعض قوّتهم من ضعف خصومهم؛ غير أن رابطتهم وثيقة من دون شَكٍّ.. ومهما اختلفوا؛ فإنهم من معين واحد، ولخدمة هدفهم الأعلى يعملون جميعًا.
ربما يشتبكون حينا، ويتنازعون أحيانًا، ويُلوّح فرد أو تيّار منهم بالانقلاب على إرث الآخر؛ إلا أنهم يظلّون أوفياء لطينتهم الصهيونية المعجونة بالدم.
سنقول ما شئنا عن تلفيق فكرتهم، وهشاشة بنيانهم. وبعض القول حقّ؛ وأغلبه سلوى للنفس، على أنك لن تهزم عدوّك ما لم لم تعرفه جيّدًا، وأوّل المعرفة أن تُقرّ ببأسه، وتعرف مزاياه قبل العيوب.
إسرائيل بلد المُفارقات كلّها، من البدء للمنتهى، ولا يخلو يوم فى أيامها من مفارقة. وهل أكبر من الاصطناع فى أرضٍ غريبة؛ ثم السعى لتطهيرها من مُلّاكها الأصليين؟!
تخلّقت الفكرة من جهود هرتزل، وهو أقرب لليمين بنزعته القومية المخلوطة بمَيلٍ للبرجوازية الغربية.
لكنّها تجسّدت لاحقًا، وبُنِيَت على أكتاف اليسار؛ بالمخالفة لطابع الأيديولوجيا التضامنى، وبالجَور على الحقوق بلا أى وازعٍ إنسانى.
ذوو القلوب أنشأوها من عَدمٍ، وعلى هياكل وجماجم الأبرياء. ومُتطرّفو اليمين ورثوها بعد الهزيمة فى أكتوبر 1973؛ فأبرموا أول مُعاهدة تُقرّ بالضعف عمليًّا، وتدفع الحدود خطوات للوراء، على غير ما تأسَّست نزعة التمدّد الأبدى، وأحلام ملء المسافة بين النيل والفرات.
وتمكر الدراما من جديد؛ فيعود اليسار ضمن فواصل عودته الضئيلة؛ ليعقد اتفاق أوسلو. وكان بمثابة الوعد بتسوية القضية الفلسطينية، وانقلابًا فى الوقت نفسه على إرث المؤسّسين من ذات الحظيرة السياسية.
وعلى هذا المنوال تسير الأمور كلها، ويُمكن التقاط الخيوط مُتضادّة الألوان والنسيج فى كل زاوية وملف؛ حتى الانتخابات التشريعية التى أُجرِيَت أمس، ومن المُنتظر أن تتسلسل مؤشراتها خلال اليومين المقبلين، وصولاً للنتيجة النهائية فى غضون أسبوع.
وتتضاعَف المُفارقة هنا، من أنه لا يسار فى المشهد تقريبًا. يائير جولان وأطلال العمل يقفون فى الخلفية البعيدة، وسوى ذلك تتطاحن درجات اللون اليمينى الواحد، وفى قلب كلٍّ منها درجة أغمق للأسف.
تركيبة تُشبه عرائس ماتريوشكا الروسية الصغيرة؛ إذ فى كل واحدة أخرى أصغر قليلاً، لكنها مُطابقة لها فى كل التفاصيل.
تتنفس الدولة العبرية أيديولوجيا واحدة تقريبًا، ويخرج ساستها من خطّ الإنتاج نفسه، والفارق بينهم لا يتعدّى الأحجام والأوزان السياسية فحسب، على أنهم يملؤون الفراغات بوسائل أخرى.
والقصدُ؛ أن الضئيل قد يُعوّض هزاله بصخبٍ ظاهر، أو بترتيبات خفيّة لا تظهر للعلن. اليسارى يُغازل اليمينية، والوسط يتزحزح إلى الأقاصى، يرتدى المدنيون ملابس عسكرية، ويعود الجنرالات لدمويّة الميدان، ويتلاقون جميعًا عند الذروة: البندقية وقضم الجغرافيا وإنكار وجود الآخر من الأساس.
عُدِّلَت الاستراتيجية الأمنية؛ على ما أعلن نتنياهو فى أسبوع الانتخابات. غير أنه لم يُذِع سرًّا، ولا أحد يختلف معه من بقية المُنافسين، فعلاً أو بالقول البسيط.
تحوّلت تل أبيب عن أدبيات الردع والاحتواء، إلى الاستباق والترويع وكىّ الوعى. افتراض الأسوأ، والبقاء على حد السكين دومًا، وفرض مناطق عازلة من أرض الآخرين.
هكذا تتحقق الحماية بغلافٍ مانع؛ فضلاً على تكبيد الأعداء كُلفة المُغامرة، وتثبيت المُعادلة القاسية: تحرّكت الخطوط الحمراء عن مواضعها القديمة، وفى كل قفز عليها ستخسرون بشرًا وحجرًا، إلى أن تفنى البلاد والعباد!
أخذ نتنياهو أطواره فى التحوّل؛ حتى صفا إلى وحشيّته القارّة فى الأعماق منذ زمن بعيد. حرّض على رابين؛ ثم سبح للسلطة فى دمه المراق بأكبر ميادين تل أبيب. مرّر سنواته مع كلينتون بالمُهادنة، وامتصّ اندفاعة أوباما بقبول «حل الدولتين» شكلاً.
الآن نعاين النسخة الحقيقية: عجوز ماكر، من نسل حاخام كان فى زيل جابوتنسكى وأفكاره التصحيحية، وأورثها لأبٍ عمل مؤرّخًا ليُزيّف التاريخ ويُثبّت السردية الظالمة، وإلى أخٍ كان ضابطًا فاشلاً؛ لكنه منحه ذريعة الدم، مع صلة بالسلاح والفكرة القربانية فى سبيل دولة اليهود.
أمّا المنافسون؛ فكلهم من تركة الغصب والاستحلال. جميعهم من «جيل الصابرا» المولودين على أرض فلسطين؛ فلا يحملون ذاكرة سوى التجسّد بين النهر والبحر، والقتل لأجل الحياة، وإعادة إنتاج الهولوكوست الذى حُكِى لهم أنه طال الأجداد.
نفتالى بينيت ويائير لابيد كانا شريكين فى حصار غزّة، وتعقيد أوضاع السلطة فى الضفة. وتحالفهما السابق على حكومة الليكود الأخيرة، لعبت دورًا فى التمهيد لجنون السنوار وطوفانه الغبىّ.
كان زعيم اليسار الآن نائبًا لرئيس الأركان فيما قبل، وعلى يديه دمٌ لا تُبرّره الأيديولوجيا وشعاراتها المرفوعة لاحقا.
أمّا أبرزهم جميعًا، جادى آيزنكوت؛ فرئيس أركان سابق، وتُنسَب إليه «عقيدة الضاحية». طبقها تحت ولاية إيهود أولمرت (حكومة شارون قبل أن يُصاب بالجلطة ويدخل فى غيبوبة) إبّان حرب يوليو 2006 مع حزب الله فى جنوب لبنان.
والمقصود باستراتيجيته العسكرية تلك؛ اللجوء إلى أقصى قوّة مُمكنة، وبشكل غير مُتناسب مع الخصوم أو بيئة القتال، بغرض التدمير وفرض تكاليف باهظها على البيئة المدنية؛ بما يُضاعف الأعباء، ويُطيل زمن التعافى، ويكوى الوعى مع تحقيق الردع لأمد طويل.
لقد استُنسِخَت فى غزّة خلال الحرب الأخيرة، بدلاً من نظرية نتنياهو السابقة بـ»جزّ العشب» على فترات مُتقطعة. وتكرّرت فى ضاحية بيروت الجنوبية مُجدّدًا، وصعدت حتى عُمِّمَت، وستكون قلب الرؤية الإسرائيلية إلى أجلٍ غير مُسمّى.
مفارقة جديدة؛ إذ يُنافس الجنرال أسوأ رؤساء حكومات إسرائيل، وأخبثهم وأطولهم بقاء فى السلطة؛ فيما يُدير الأخير حربه بأدوات الأوّل، وينازعه على خزّانه البشرىّ الأهمّ.
آيزنكوت من أصول مغربية، جاء مع الآتين من حواضر مملكة العرب إلى هوامش مملكة اليهود. وقاعدته من المنشأ نفسه لا تقل عن 8% من السكان، أى نحو مليون مواطن، وما لا يقل بحالٍ عن ثلاثة أرباع هذا الرقم من الأصوات.
أحضرهم اليسار إلى الدولة الوليدة؛ لكنه أبقاهم على هامشها، مواطنين من الدرجة الثانية، وتلك مفارقة إضافية.
ربما لهذا أقبلوا على اليمين ومنحوه أصواتهم؛ بالرغم من كَونه لا يراهم، وما اهتمّ بإصلاح أحوالهم، كما أن ليبراليته الجديدة تُبقيهم فقراء مُهمّشين، وتُضاعِف أعباءهم أيضًا.
ونُضيف إلى قائمة المفارقات واحدة أكبر من سابقاتها؛ فقد حصلوا على تذكرة الوطن الجديد من اليسار، ودعموا اليمين الذى أبقاهم فى ذيل الاهتمامات.
وينقسمون اليوم بين واحدٍ منهم، وآخر ضد البلد بكامله، ويُوظّف الفكرة بالأرض وما عليها لخدمة مصالحه الشخصية.
زعيم الليكود عجوز ماكر، وأكبر ضباع السياسة الإسرائيلية الأحياء. بأخطاء أقل سُجِن سلفٌ له فى المنصب، وبهفوات لا تُذكَر أُطيح آخرون خارج المشهد تمامًا. أمّا هو فطال بقاؤه لقرابة عقدين، ويبحث عن مزيد.
مدعوم من ترامب؛ وقد دعا أمس صراحةً إلى التصويت له، وليست المرّة الأولى. ثلاث رسائل فى أسبوعٍ واحد، وبعد تمنُّع وإنكار طويلين.
وقد أوحى سلفًا بالانقطاع وسوء العلاقة؛ بينما كان يجافيه لأغراض شتّى: الترويض، وتوزيع الأدوار، وتخليص الدعم لاحقا من أثر الرابطة الشخصية؛ فكأنها شهادة مُحايدة عن حقٍّ وكفاءة.
لعلّه غرضه الأبرز أن يُبقيه فى شراكة الجبهة الإيرانية، ويستخدمه لاحقا لاستكمال المواجهة أو سداد بعض أثمانها المُحتملة، ولا يضمن أن يُجاريه أى بديل تالٍ؛ وإن اتفق الجميع على خطورة الجمهورية الإسلامية ووجوب تحييدها.
وُلِدَت إسرائيل بمفارقة سوداء، وتتعيّش على المفارقات. وأكبرها اليوم أن الناخبين ينتقون من إناء واحد، ويُفاضلون بين نتنياهو، وبعض المُستنسخات الرخيصة منه.
كما لو أننا أمام دُمَى الشاى الشهيرة «ماتريوشكا»، ولا يعنى اختيار الأقل حجمًا فيها، الاختلاف عن أكبرها فى شىء. وكأنها مُنافسة بين أقنعةٍ عدّة على وجه شخصٍ واحد!