هدوء ما قبل العاصفة. لا وصف ينطبق على حال المنطقة أكثر من العبارة السابقة، فيما تقف الأطراف كلُّها على أطراف أصابعها، تراقب بعضها وتتحسَّب لردود الفعل، والخيارات مُرهقة من فرط تعدّدها، ومفتوحة على كل الاحتمالات أيضًا.
مرّت شهور كأن الإقليم يحبو على أربع؛ ولعلّه أقرب الآن إلى الزحف على البطن، بعدما وهنت قوائمه، وضاق حيِّز حركته، وصارت النار تحوّطه من كل ناحية، وتُوشك السماء أن تُمطر عليه لهبًا لا ينقطع.
آلت الحربُ نظريًّا إلى التعادُل؛ فلا فاز المُهاجِمُ ولا انكسر المُدافِع. غير أنهما لا يتّفقان على النتيجة، ولا يقبلان بها، ويسيران وجوبًا باتجاه جولة ثانية، لن تقل بحالٍ عن سابقتها، والأغلب أن تفوقها حجمًا وتداعيات.
أخفقت الولايات المتحدة فى الحسم، وفى تطويع إيران المُتصلّبة. وفى الشكل، نجحت الأخيرة فيما سعت إليه بعد الهُدنة المُعطّلة؛ أى أن تُجبر ترامب على الوصول للانتخابات بنزاعٍ مُعلّق وجبهة ساخنة؛ غير أنها تعامَت عن المُقابل الباهظ، وأخفقت فى إنتاج البدائل الآمنة.
سعت الآلة العسكرية الكاسحة لإنجاز هدفين غير مُتجانسين: الردع والإكراه. فالأوّل يمنع الإرادة، والثانى يُجبِر على ضدّها، ويصعب أن يعملا معًا؛ لا سيما بين عَدوّين مبدئيين، ولدى كل منهما عوامل قوّة نسبيّة لا تتوافر للآخر.
قوّة كاسحة، فى مقابل عقيدة لا تتزحزح. وفرة فى النار، وجغرافيا وَعِرة وشاسعة. اقتصاد ضخم، وقدرة على إرهاقه ورفع التكاليف عليه. حلفاء كُثر، فى مواجهة أذُرع ميليشيَويّة ولوجستيات رخيصة وخبرة بالحروب غير المُتماثلة.
وإذ يَطلُب أحد الطرفين الحياة ويتمسّك بها؛ فغريمه يتعبَّدُ لفكرته بالموت، ويعُدّه انتصارًا. ولأجل إرغامه لا بديل عن البطش، الذى سيكون متبوعًا بسقوط جدار الردع، وسيكون الإفراط فيه استهلاكًا للصورة والإمكانات، وتشجيعًا للضعيف مع تعرية القوىّ من هالته المُرعبة!
كانت المواجهة محتومة فى كلّ الأحوال؛ إلا أن الإدارة الأمريكية استُدرِجَت لها بإغراء من إسرائيل، وقبل أن تدرس المسألة بشكلٍ وافٍ، وتتّخذ الاستعدادات الواجبة، وتتحوّط لكل السيناريوهات المُحتملة.
والقصدُ؛ أن واشنطن كانت ستصطدم بطهران عاجلاً أم آجلاً. ومَردّ ذلك إلى طبيعة الطرفين، وتشابكات علاقاتهما القديمة، والديون العالقة بينهما. فضلاً على أثر التراجع الأمريكى؛ إذ يُقابله صعود فى الشراهة الإيرانية.
ما تعايش معه أسلاف السيد دونالد، كان ناتجًا عن ثقةٍ مدعومة بحضورٍ وفاعلية، وعن فروقٍ واسعة، وضآلة فى قوة دولة الملالى، أبقتها ذات طابع وظيفى غير مُهدّد لمصالح القطب الأوحد.
غير أنها تضخمّت فى السنوات الأخيرة، وباتت تُشكّل حلقة خطر إقليمية واسعة، يتضاعَف إزعاجها إذا ما أُضيف إلى التنافس المُتنامى مع الصين، وخطورة أن تستند على نظام دينى هُنا، فيما يُكاتفها الدب الروسى من جهةٍ ثانية.
ومن هُنا، يُمكن استيعاب التطورات الأخيرة فى أوراسيا. خشونة ترامب مع زيلينسكى، ثم اتصاله مع بوتين، واتفاقهما على صفقة الديزل. كأنه يحاول إبعاده عن بكين، ويُقدّم أوكرانيا فى مقابل فكّ رباطه مع إيران.
ربما تنعقد الصفقة أو تُخفق؛ إلا أنها تنطوى إلى الآن على مُقدماتٍ مُقلقة، وأقرب إلى تحضيرات ما قبل العودة للقتال. ويتوجّب أن تُؤخَذ فى الاعتبار؛ حال النظر لتصريحات سيد البيت الأبيض عن قُرب الحسم عقب الانتخابات النصفية.
وإلى ذلك؛ فإن دعمه لنتنياهو من القماشة ذاتها. إذ شفعه بالمهمة المُنتظرة عند الهضبة الفارسية، بجانب العبارات البروتوكولية المُنمّقة عن الكفاءة والقيادة وقوّة الرابطة. أى أنه يدعم زعيم الليكود؛ لانتدابه على جبهة الحرب قريبًا.
وهُنا تتداخل الحسابات وتتعقّد. ضغط حرس الثورة على سيد البيت الأبيض بالانتخابات؛ لكنه أقرب إلى خوض الجولة التالية بالذراع الصهيونية، ما يُجنّبه تأثيرات المعركة، مع إعفائها من ارتدادات السباق على الكونجرس.
ونتنياهو يتهدّده احتمال وحيد بالرحيل، تُقابله ثلاثة للبقاء: الفوز مع ائتلافه، أو تشكيله الحكومة سواء كانت وحدة وطنية أم أقليّة بغطاء من أحزاب أخرى، وأخيرًا تسيير الأعمال، بأثر عجزه والخصوم عن الوصول للأغلبية المطلوبة.
وبالنظر إلى استراتيجيته الأمنية المُعلنة قبل أيّام؛ فهدفه النهائى يتمثّل فى إسقاط النظام الإيرانى. وبعيدًا من الإمكانية والتعذُّر؛ فالفكرة أنها آخر محطّة على الخطّ، ما يعنى أن الحرب لن تُوقفها هُدنة، ولن تنتهى إلا بالحسم، وبالحدّ الأدنى ستتجدّد على فواصل مُتقطّعة.
وإلى ذلك؛ فالإدارة الأمريكية لن تضعُف بعد الانتخابات كما يتوهّم الإيرانيون. إمّا أن يكسب الجمهوريون فيتعزّز موقف ترامب، أو يتحصّل الديمقراطيون على الأغلبية؛ فيظلّ قادرًا على إمضاء إرادته مرحليًّا ولآخر ولايته.
لديه مُهلة حتى يناير؛ بغض النظر عن النتائج. ثمّ إن أجندته محميّة بالفيتو، ولا سبيل للقفز عليه إلا بأغلبية الثلثين، ومن المستحيل أن يُحققها الحزب المُنافس، ولا يقل استحالة أن ينضمّ إليهم الفارق المطلوب من حزب الرئيس.
وإلى ذلك؛ فصلاحياته شبه مُطلقة فى أمور السياسة الخارجية، ولعبة إطلاق الحرب ثمّ إنهائها خلال مهلة الشهرين، وتجديدها ثانية حال الاحتياج، فعلها مرّة ويُمكن أن يُكررها، ولا قدرة للتوازنات الحالية على أن تكبحه أو تُوجهه لمسارٍ خلاف ما يُريد.
باختصار؛ الحرب عائدةٌ، وكلما تأخّرت لا يعنى ذلك غلبة الدبلوماسية على القوّة؛ إنما أنها تزداد حتمية، وستبدأ من نقطة أصعب، وبتكاليف أعلى، وبوتيرة أشدّ قسوة ولأهداف أكثر تشدُّدًا.
العودة من الميدان بلا رأس العدو، أو حتى هديّة منه؛ ستكون إعلان هزيمة للولايات المتحدة، وإنهاء لهيبتها فى المنطقة، وتلطيخًا لإرث رئيس يرى أنه الأعظم فى قائمة الرؤساء.
العدوّ لن يتنازل، والصهاينة أيضًا. وحلفاؤه فى الإقليم لن يقبلوا بإبقاء مصيرهم مُعلّقًا تحت رحمة المُمانَعة وميليشياتها. وصورة الإمبراطورية ونرجسية رئيسها أكثر ضغطًا من كل هذا.
لم يعد الحسم الخشن اختيارًا للأسف. وإذا كسب حزب الرئيس سيعتبره تفويضًا، وإن خسر سيطلب الثأر من الملالى؛ أى إلى القتال فى كل الأحوال.
وكما يعرف أن أى تنازُل منه يغرى الأعداء؛ فسيكون كل تنازُل منهم دافعًا لطلب المزيد، ما يعنى أن بلوغ الهُدنة سيكون مُقدّمة لجولة لاحقة، وبها أو من دونها سيقع الصدام المحتوم.
المنطقة عند نقطة سيئة، والقادم أسوأ للأسف. مخاض ستُولَد منه توازنات مُغايرة، وتتشكّل معالم مرحلة لا تُشبه سابقتها مُطلقًا؛ أكان لرأس المحور أم أطرافه، ومعهم الحواضن التى التجأت إليهم أو فرضوا أنفسهم عليها بالقهر والشعارات.
دفَّعَ المُمانِعون مُحيطَهم القريب أضعاف ما كبّدوه للغريم الغريب، وانتحروا تحت قدميه، وأورثوا البلاد والعباد شرورًا لا تُعَدُّ ولا تُحصَى، وما زالوا، وكان وجودهم مُكلّفًا، ولن تقلّ التكلفة فى رحيلهم للأسف.